لا يزال تأثير ظروف الفضاء في الجهاز التناسلي للمرأة غير مدروس بشكل كاف، لكن دراسة جديدة كشفت أن التعرض لفترات قصيرة للجاذبية الصغرى والإجهاد يمكن أن يؤدي إلى تغيرات ملحوظة في الميكروبيوم المهبلي.
وعادة ما تركز الدراسات المتعلقة بصحة المشاركين في الرحلات الفضائية على مشكلات مثل فقدان كتلة العظام، وضمور العضلات، والتعرض للإشعاع.
لكن هناك أنظمة أخرى في جسم الإنسان قد تتأثر بالظروف غير المعتادة الموجودة في الفضاء، ومن بينها الميكروبيوم ، أي المجتمع المتنوع من الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل جسم الإنسان وعلى سطحه.
وحتى الآن، لم يكن العلماء قد درسوا بصورة مباشرة كيفية تأثير الرحلات الفضائية في الميكروبيوم المهبلي لدى النساء.
تجربة على أربع نساء
تأثير غير متوقع للرحلات الفضائية ( مصدر الصور: Freepik )
قرر باحثون من كلية الطب في جامعة جنوب فلوريدا بالولايات المتحدة دراسة هذه المسألة، تحت إشراف طبيبة النساء والباحثة بيغوم ماتيك.
وفي أول تجربة من نوعها، شاركت أربع نساء في سن الإنجاب في رحلات جوية مكافئة للرحلات المكافئة للقطع المكافئ، أجريت على متن طائرة معدلة خصيصا.
وتستخدم هذه الطائرات لإحداث فترات قصيرة من الجاذبية الصغرى والجاذبية الفائقة، في ظروف تشبه بعض الظروف التي يتعرض لها رواد الفضاء.
تغير واضح في الميكروبيوم المهبلي
أظهرت النتائج، التي نشرت في مجلة Frontiers in Microbiology العلمية، أن هذا التعرض القصير للجاذبية الصغرى أدى إلى تغيرات كبيرة في الميكروبيوم المهبلي.
كما ارتفع مستوى الكورتيزول، وهو الهرمون الذي يرتبط باستجابة الجسم للتوتر والإجهاد.
وفي الوقت نفسه، تغير تركيب المجتمع الميكروبي الموجود في المهبل.
لكن الميكروبيوم الموجود في الفم بقي مستقرا إلى حد كبير، ما يشير إلى أن أجزاء مختلفة من الجسم قد لا تستجيب بالطريقة نفسها للظروف المرتبطة بالرحلات الفضائية.
وقالت بيغوم ماتيك، رئيسة الدراسة، إن هذه النتائج تقدم أول مؤشرات على أن الأنظمة البيولوجية لدى النساء قد تستجيب بطرق مختلفة للظروف الفريدة للرحلات الفضائية.
لماذا يعد ميكروبيوم المهبل مهما؟
يلعب الميكروبيوم المهبلي دورا مهما في صحة المرأة، إذ يساهم في دعم وظيفة الجهاز المناعي، وحماية الجسم من بعض أنواع العدوى، والمساعدة في الحفاظ على صحة الأنسجة.
وعندما يختل التوازن الطبيعي للمجتمع الميكروبي، وهي حالة تعرف باسم اختلال التوازن الميكروبي أو ديسبيوزيس، فقد يرتبط ذلك بحدوث الالتهابات وارتفاع خطر الإصابة بالعدوى.
كما ربطت أبحاث سابقة اختلال الميكروبيوم المهبلي ببعض الحالات المرضية، بما في ذلك بطانة الرحم المهاجرة.
ولهذا السبب، أصبح الميكروبيوم المهبلي موضع اهتمام متزايد في الأبحاث الطبية المتعلقة بصحة المرأة.
الميكروبيوم كمؤشر صحي
أوضحت ماتيك أن الأهمية الطبية للميكروبيوم المهبلي خلال العقود الماضية تجاوزت بكثير ارتباطه التقليدي بحالة التهاب المهبل البكتيري.
وأصبح الميكروبيوم المهبلي يستخدم كمؤشر حيوي غير جراحي يمكن أن يساعد في الكشف عن بعض أمراض النساء، وبعض أنواع السرطان، وتقييم مسار الحمل، ومراقبة الحالة الصحية.
وبالتالي، فإن أي تغير مستمر في هذا المجتمع الميكروبي أثناء الرحلات الفضائية قد يستحق الدراسة، خصوصا مع توجه برامج استكشاف الفضاء نحو مهمات أطول.
ماذا يحدث خلال المهمات الطويلة؟
يرى الباحثون أن الخطوة التالية يجب أن تكون إجراء دراسات طويلة الأمد لمعرفة مدى استمرار التغيرات التي رصدتها التجربة.
كما يحتاج العلماء إلى تحديد ما إذا كانت هذه التغيرات تحمل أهمية سريرية حقيقية، وما إذا كان من الممكن أن تؤثر في صحة رائدات الفضاء خلال المهمات الطويلة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع خطط استكشاف القمر وإنشاء قواعد مستقبلية عليه، إضافة إلى الرحلات المأهولة المحتملة إلى المريخ.
هل التغير مؤقت أم قد يسبب مشكلة؟
تطرح النتائج الجديدة عددا من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها بعد.
وتقول ماتيك إن العلماء بحاجة إلى معرفة ما إذا كانت التغيرات التي تحدث في الميكروبيوم مجرد استجابة فسيولوجية مؤقتة يتكيف معها الجسم، أم أن هناك نقطة يمكن أن تتحول عندها هذه التغيرات إلى مشكلة صحية أو مرض.
كما يحتاج الباحثون إلى معرفة ما إذا كان بالإمكان عكس هذه التغيرات وإعادة الميكروبيوم إلى حالته الطبيعية بعد انتهاء التعرض لظروف الرحلات الفضائية.
وتوضح ماتيك أن المجتمع العلمي الفضائي بأكمله يحاول حاليا فهم هذه المسائل.
صحة رائدات الفضاء في المستقبل
وبصفتها طبيبة نساء وتوليد، تطرح ماتيك سؤالا عمليا حول ما الذي يمكن أن تقوله لمريضة قد تسألها مستقبلا: ما الإجراءات الاحترازية التي يجب أن أتخذها قبل السفر إلى الفضاء؟
وترى الباحثة أن الإجابة تصبح أكثر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بمهمات قد تستمر لشهر أو لسنوات.
وقالت إن الأمر قد يتعلق بأي سيناريو مستقبلي، حتى لو كانت الرحلة مجرد «شهر عسل» في الفضاء، في إشارة إلى أن السفر الفضائي قد يصبح في المستقبل أكثر تنوعا ولا يقتصر على الرحلات العلمية.
وتتحدث وكالة ناسا بالفعل عن خطط لإنشاء قاعدة على القمر وعن مهمات مستقبلية إلى المريخ.
وتفتح هذه الخطط الباب أمام مجموعة واسعة من الأسئلة المتعلقة بصحة الإنسان، ولا سيما صحة النساء خلال الإقامة الطويلة في بيئات مختلفة تماما عن الأرض.
وتؤكد ماتيك أن إجراء الأبحاث والتحقق من النتائج يحتاج إلى وقت، ولذلك يجب أن يبدأ العلماء من الآن في جمع الأدلة العلمية التي تساعد على فهم المخاطر الصحية المحتملة للرحلات الفضائية الطويلة.
مصدر الخبر: Наука Mail، استنادا إلى دراسة منشورة في مجلة Frontiers in Microbiology.