الليزر عالي الطاقة.. هل ينقذ ميزانيات الدفاع الجوي من الاستنزاف؟

الليزر عالي الطاقة.. سلاح جديد لخفض كلفة الدفاع الجوي (مصدر الصورة: Defense Arabia) الليزر عالي الطاقة.. سلاح جديد لخفض كلفة الدفاع الجوي (مصدر الصورة: Defense Arabia)

كشف موقع Defense Arabia أن القوات الجوية والدفاعية حول العالم تواجه معضلة اقتصادية متصاعدة، تتمثل في كيفية إيقاف مسيّرة لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات دون إنفاق مبلغ يفوق قيمتها بمئات المرات. 

وأوضح أن هذه المعادلة المختلة، التي كشفت عنها هجمات المسيّرات المتكررة في أوكرانيا والبحر الأحمر، دفعت جيوشا عديدة إلى الاستثمار في الليزر عالي الطاقة (High-Energy Laser)، وهو السلاح الذي انتقل خلال سنوات قليلة من مختبرات التطوير إلى الاختبار الميداني الفعلي.

من الكشف إلى التدمير.. كيف تعمل منظومات الليزر؟

وأفاد الموقع أن الاعتراض الليزري يعتمد على مبدأ مختلف جذريا عن الصاروخ التقليدي، إذ تمر عملية الاشتباك بسلسلة مراحل متتابعة تبدأ بالكشف وتنتهي بالتدمير. 

فتكتشف رادارات المراقبة وأجهزة الاستشعار الكهروضوئية المسيّرة المعادية أولا، لتحدد سرعتها واتجاهها وارتفاعها بدقة، قبل أن يتولى "موجه الحزمة" (Beam Director)، وهو تلسكوب دوار مزود بمرايا متحركة، وتثبت خط تصويب دقيق على الهدف عبر شعاع تعقب منفصل يلاحق حركة المسيّرة لحظة بلحظة. 

وتعتمد أغلب المنظومات الحديثة على تقنية "الليزر الليفي" (Fiber Laser)، حيث تولّد عدة حزم فردية منخفضة القدرة نسبيا داخل وحدات منفصلة، ثم تدمج جميعها عبر التلسكوب المشترك في نقطة تركيز واحدة قد تتجاوز 100 كيلوواط. 

وبمجرد تثبيت الحزمة على نقطة الضعف المختارة في هيكل المسيّرة، يبدأ ما يعرف بـ"وقت التلامس" (Dwell Time)، وهي فترة تتراوح بين ثوان معدودة وبضع ثوان تتركز خلالها الطاقة الحرارية حتى تنصهر المادة أو تحترق الدارات الداخلية. 

وتقوم بنية المنظومة على أربعة أنظمة فرعية متكاملة: توليد الطاقة، والتبريد، وتوجيه الحزمة وتعقبها، ومصدر الليزر نفسه، وهو ما يجعل "الذخيرة" هنا كهرباء لا صاروخا مخزَّنا.

منظومة الليزر عالي الطاقة أمريكي الصنع من طراز DE M-SHORAD (مصدر الصورة: The Debrief‏

ألمانيا تنتقل من التجربة إلى خطوط الإنتاج

وأبرز الموقع أن ألمانيا قدمت واحدا من أوضح الأمثلة على انتقال هذه التقنية إلى مرحلة الإنتاج الفعلي، بعدما وقّع المكتب الاتحادي الألماني لتجهيزات الجيش (BAAINBw)، في التاسع من يوليو 2026، عقدا بقيمة 462 مليون يورو مع تحالف يضم شركتَي Rheinmetall وMBDA Deutschland، لتطوير وإنتاج منظومة ليزرية بحرية عالية الطاقة كاملة لصالح البحرية الألمانية، على أن تدخل الخدمة الفعلية بحلول عام 2029. 

ويستند هذا العقد إلى سنوات من التجارب البحرية الناجحة عبر منظومة تجريبية رُكِّبت على متن الفرقاطة Sachsen، أطلقت خلالها أكثر من 1000 طلقة ضد أهداف جوية وبحرية وبرية على مدى أكثر من 28 ألف ميل بحري، بينما تعمل المنظومة التجريبية الحالية بقوة 20 كيلوواطا فقط، في وقت تستهدف فيه الأجيال المقبلة تجاوز عتبة 100 كيلوواط.

هل يخفض الليزر تكلفة اعتراض المسيرات

وشدد الموقع على أن هذه الأرقام المبهرة تحمل تحفظا جوهريا غالبا ما يُغفَل عند الترويج للتقنية، فرغم أن كلفة "الطلقة" الواحدة تنخفض إلى مستويات هامشية لا تتجاوز كلفة الكهرباء المستهلكة، تبلغ كلفة المنظومة الكاملة الواحدة مئات ملايين الدولارات، وهو رقم يتعلق بمنظومة واحدة فقط قيد التطوير حاليا. 

وبما أن التغطية الدفاعية الشاملة تتطلب تجهيز أسطول بأكمله، فإن الوفر الاقتصادي الحقيقي لا يكمن في الكلفة الإجمالية للاستثمار، بل في الكلفة الهامشية لكل عملية اعتراض على المدى الطويل، وهو فارق حاسم عند تقييم جدوى البرنامج مقارنة بمخزون الصواريخ التقليدي.

سباق عالمي لتطوير الليزر.. والفيزياء تفرض حدودها

وأعلن الموقع أن هذه الرهانات لا تقتصر على ألمانيا، إذ منحت وزارة الدفاع البريطانية عقدا بقيمة 316 مليون جنيه إسترليني لشركة MBDA UK، بالشراكة مع Leonardo UK وQinetiQ، لدمج منظومة DragonFire على متن مدمرات Type 45 اعتبارا من عام 2027، بعدما نجحت في تجارب أكتوبر 2025 في إسقاط مسيّرات تفوق سرعتها 650 كيلومترا في الساعة. 

وفي الولايات المتحدة، أطلق الجيش الأمريكي برنامج E-HEL لتطوير منصات ليزرية دائمة مضادة للمسيّرات، فيما كشفت شركة AeroVironment في مارس 2026 عن الجيل الثالث من مجموعتها الليزرية LOCUST X3 بقدرة تتراوح بين 20 و35 كيلوواطا، بينما تُجري البحرية الأمريكية اختبارات مماثلة عبر منظومتَي HELIOS وODIN. 

غير أن قوانين الفيزياء تفرض قيودا لا يستطيع أي استثمار تجاوزها بسهولة، إذ تتراجع فعالية الحزمة الليزرية في الطقس الماطر أو الضبابي نتيجة ظاهرة "التزهير الحراري" (Thermal Blooming)، كما تلزم طبيعة التقنية المنظومة بالاشتباك مع هدف واحد في كل مرة، ما يحد من قدرتها على مواجهة سرب كامل من المسيّرات دفعة واحدة، إلى جانب قصر مدى الرؤية المباشرة (Line of Sight)، وهي عوامل تجعل من الليزر أداة مكمّلة لا بديلا شاملا عن الدفاعات الصاروخية والمدفعية القائمة.