قررت فارفارا لابازوفا وماريا بوليكاروفا، وهما من خريجات المسار الطبيعي العلمي في المدرسة رقم 2045، التعامل بجدية مع مشكلة تآكل أسنان الأفيال التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى موتها جوعا.
وقد خضع مشروعهما الخاص بالتعويضات السنية باستخدام تقنيات التصنيع بالإضافة، أو الطباعة ثلاثية الأبعاد، للاختبار الأولي خلال مؤتمرات «بداية في الطب» و«مهندسو المستقبل» و«العلم من أجل الحياة».
وتواصل ماريا حاليا دراستها في الصف الطبي، بينما تدرس فارفارا في كلية تربوية في موسكو، لكن مجموعتهما البحثية تواصل البحث عن حل للمشكلة، بدءا من النمذجة الرقمية باستخدام أنظمة التصميم بمساعدة الحاسوب CAD، وصولا إلى اختيار مواد متوافقة حيويا لا تتآكل تحت ضغط المضغ الذي يصل إلى أطنان.
وتحدثت الطالبتان لموقع «كوميرسانت-ناوكا» عن كيفية عمل الجهاز السني الفريد لدى الفيلة، والسبب الذي يجعل تركيب غرسة سنية عادية أمرا غير ممكن ببساطة.
لماذا يؤدي فقدان الأسنان إلى موت الفيل؟
مشكلة تآكل أسنان الأفيال ( مصدر الصور: صحيفة كوميرسانت الروسية )
لماذا يؤثر فقدان أسنان الأفيال في متوسط عمرها بدرجة أكبر من العديد من الحيوانات الأخرى؟ وما السبب في ذلك؟
تتبدل الأسنان الطاحنة لدى الأفيال ست مرات فقط طوال حياتها. وعندما تتآكل المجموعة السادسة والأخيرة من الأسنان، لا تنمو أسنان جديدة بعدها.
لكن الأفيال تحتاج إلى هذه الأسنان لمضغ الطعام القاسي، مثل اللحاء والأغصان والعشب والخشب. وعندما تتآكل الأسنان بشدة، يصبح الفيل غير قادر على تناول الطعام بصورة طبيعية والحصول على العناصر الغذائية التي يحتاج إليها.
وبسبب ذلك يبدأ الحيوان في فقدان الوزن والضعف، وقد ينتهي الأمر بموته نتيجة الهزال.
وتتبدل أسنان العديد من الحيوانات الأخرى مرات أكثر. وعندما علمنا أن الفيل المسن يمكن أن يموت جوعا بسبب تآكل أسنانه، قررنا تكريس مشروعنا لهذه المشكلة.
وبالنسبة لنا، لا يتعلق الأمر بالحيوانات فقط، بل هو أيضا قصة عن التعاطف ومساعدة الكائنات التي لا تستطيع الاعتناء بنفسها.
نظام أسنان فريد لدى الفيل
ما الذي يميز نظام أسنان الفيل، وكيف تجعل هذه الخاصية مهمة التعويض السني أكثر تعقيدا مقارنة بعلاج الكلاب أو الخيول مثلا؟
تتبدل أسنان الفيلة بطريقة غير معتادة.
فعند الإنسان والكلاب والخيول، تنمو الأسنان الجديدة عادة من الأسفل إلى الأعلى وتبقى في موضع واحد داخل الفك.
أما لدى الفيل، فتظهر السن الطاحنة الجديدة في الجزء الخلفي العميق من الفك، ثم تتحرك ببطء إلى الأمام بشكل أفقي، وتدفع السن القديمة تدريجيا إلى الخارج.
ولهذا السبب يصبح تركيب تعويض سني للفيل أكثر صعوبة بكثير.
فعلى سبيل المثال، يمكن للطبيب البيطري تثبيت غرسة من التيتانيوم في فك الكلب أو الحصان. ومع مرور الوقت ترتبط العظام بها بشكل قوي، وتبقى الغرسة ثابتة بصورة جيدة.
لكن هذه الطريقة لا تنجح مع الفيل، لأن السن الطبيعية الجديدة التي تتحرك من عمق الفك يمكن أن تدفع الغرسة إلى الخارج.
ويمكن أن يصل وزن السن الطاحنة الواحدة لدى الفيل إلى تسعة كيلوغرامات، ولذلك فإنها قادرة على إحداث إصابات قوية في الفك واللثة.
وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن الفيل يمضغ الطعام القاسي جدا كل يوم. ولهذا فإن المواد التقليدية المستخدمة في التعويضات السنية، مثل السيراميك أو المواد المركبة، وهي مواد قوية تستخدم في حشوات الأسنان، يمكن أن تتآكل بسرعة.
ولا يزال تعويض الأسنان الطاحنة لدى الأفيال غير ممكن في الوقت الحالي، بسبب عدم وجود مواد خفيفة قادرة على تحمل الضغط الشديد من دون التسبب في تلف اللثة.
وهنا تحديدا تبحث مجموعتنا التطوعية عن حل لهذه المشكلة.
تحديات بناء نموذج رقمي
ما أبرز التحديات التشريحية التي واجهتموها عند إنشاء النموذج الرقمي؟
اتضح أن إنشاء نموذج رقمي لسن الفيل أمر بالغ الصعوبة.
ويشبه الأمر محاولة تصنيع قطعة لآلية ضخمة من دون مخططات دقيقة أو قياسات جاهزة.
فأسنان الفيل كبيرة جدا، لكنها في الوقت نفسه تتميز بتركيب معقد. وسطح المضغ فيها غير مستو، ويتكون من صفائح منفصلة من مينا الأسنان، تكون منحنية على شكل حلقات ومرتبطة بقوة فيما بينها بواسطة نسيج عظمي خاص يسمى الملاط.
ويجب إعادة إنتاج جميع هذه التفاصيل بدقة شديدة داخل برنامج الكمبيوتر.
فحتى الخطأ الصغير يمكن أن يؤدي إلى خلل في إطباق الأسنان، وعندها لن يتمكن الفيل من مضغ الطعام القاسي بصورة طبيعية.
اختيار مادة التاج السني
ما المواد التي تمت مقارنتها للنموذج الأولي، ولماذا وقع الاختيار على المادة المستخدمة في النسخة الحالية؟ وما صعوبة اختيار مواد متوافقة حيويا، وما المخاطر الناتجة عن استخدام بلاستيك غير مناسب داخل الفم؟
اخترنا بلاستيك PLA، أو متعدد حمض اللبنيك، للنموذج التجريبي.
وهو مادة شائعة الاستخدام في الطباعة ثلاثية الأبعاد، تتميز بانخفاض تكلفتها وسهولة التعامل معها، ويمكن طباعتها باستخدام طابعة FDM تعليمية عادية.
ونستخدم PLA فقط للتحقق من الشكل والحجم وطريقة اتصال أجزاء النموذج بعضها ببعض.
لكن PLA غير مناسب لصناعة تعويض سني حقيقي للفيل.
فالفيل يمضغ باستمرار طعاما خشنا وقاسيا، ولذلك يمكن أن ينكسر هذا البلاستيك أو يتآكل بسرعة.
إضافة إلى ذلك، يجب أن تكون المادة المستخدمة في التعويض الحقيقي متوافقة حيويا، أي آمنة بالنسبة إلى الجسم ولا تسبب تفاعلا ضارا.
ومن الصعب جدا اختيار مادة بهذه المواصفات.
ولا توجد حتى الآن مادة عالمية مناسبة لتعويض أسنان الأفيال، ولذلك يواصل العلماء البحث عن حل مناسب.
ضغط يصل إلى أطنان
ما الأحمال الفيزيائية التي يجب أن يتحملها التاج السني، وكيف يؤثر ذلك في متطلبات قوة المادة؟
يجب أن يكون تاج الفيل شديد القوة، وقادرا على تحمل أحمال هائلة تصل إلى عدة أطنان.
ويمضغ الفيل يوميا ولفترات طويلة طعاما قاسيا، مثل اللحاء والأغصان والنباتات الخشنة.
ولا تقتصر وظيفة أسنانه على ضغط الطعام، بل تتحرك أيضا من جانب إلى آخر وتطحنه كما تفعل أحجار الرحى.
كما تتكرر هذه الأحمال مرات كثيرة، لأن الفيل يمضغ الطعام يوميا ولسنوات طويلة.
ولهذا يجب ألا تتشقق المادة أو تتآكل أو يتغير شكلها مع مرور الوقت.
الانتقال إلى تقنية SLA
ما الهدف من الانتقال إلى الطباعة بتقنية SLA في المرحلة المقبلة؟ وما الميزة التي ستوفرها هذه الطريقة من حيث دقة التاج مقارنة بالطباعة بتقنية FDM؟
ينشئ جهاز FDM النموذج باستخدام خيط بلاستيكي منصهر، إذ يضع المادة طبقة فوق أخرى.
أما جهاز SLA فيعمل بطريقة مختلفة، حيث يقوم الليزر بتعريض الراتنج السائل للضوء، فيتصلب الراتنج في الأماكن التي تشكل الجزء المطلوب طباعته.
وتتمثل الميزة الأساسية لتقنية SLA في قدرتها على إنتاج طباعات أكثر دقة ونعومة.
وهذا مهم بشكل خاص بالنسبة إلى التاج السني، لأنه يجب أن يطابق شكل السن بدقة.
كما تنتج تقنية SLA حواف أكثر انتظاما، وبعد الطباعة لا تكون هناك حاجة تقريبا إلى صقل القطعة يدويا.
كذلك تقلل هذه الطريقة من خطر ظهور فجوات كبيرة بين التاج والسن.
حماية السن واللثة
هل يأخذ المشروع في الاعتبار إمكانية تثبيت التاج من دون إلحاق الضرر بالجزء المتبقي من السن أو باللثة؟
نعم، وهذه واحدة من أهم مهام المشروع.
فالنموذج الرقمي الدقيق يساعد على تصميم تاج يستند إلى الجزء المتبقي من السن المتضررة، من دون الحاجة إلى برد السن.
وعند تصميم التاج، تترك مسافة آمنة بين حافته واللثة تتراوح بين 1.5 و2 مليمتر، ولذلك لا تتعرض اللثة للإصابة.
ويمكن تثبيت الهيكل باستخدام أنواع خاصة من الإسمنتات البيطرية، وهي مواد تستخدم لتثبيت التاج بالسن وتكون آمنة بالنسبة إلى أنسجة الفم.
لماذا علاج أسنان الفيل مكلف؟
لماذا تعد حلول طب الأسنان البيطري الحالية للأفيال معقدة ومكلفة؟ وكيف يمكن للنموذج الرقمي أن يخفض تكلفة التعويض السني مستقبلا؟
علاج أسنان الفيل ليس زيارة عادية للطبيب البيطري
فالفيل حيوان ضخم، ولذلك يحتاج العلاج إلى أطباء تخدير وأطباء أسنان بيطريين ومعدات خاصة.
كما يتطلب تخدير الفيل درجة عالية من الحذر.
وعندما يبقى هذا الحيوان الثقيل مستلقيا لفترة طويلة، يمكن أن تظهر لديه مشكلات في التنفس وضغط الدم والدورة الدموية.
ولهذا من المهم تقليل مدة أي إجراء طبي قدر الإمكان.
وفي التعويض السني التقليدي، يجب أولا أخذ طبعة للسن، أي الحصول على شكلها الدقيق باستخدام مادة خاصة.
وبعد ذلك يتم إنشاء نموذج مادي اعتمادا على هذه الطبعة، ثم تصنيع نموذج تجريبي، وبعد ذلك فقط يتم إنتاج التاج السني.
ويتطلب هذا الأمر كمية كبيرة من المواد والعمل اليدوي، إضافة إلى عدة مراحل للتحقق، ووقت للتصنيع داخل المختبر، وإجراءات متكررة مع الحيوان.
ولذلك يمكن أن تستغرق العملية وقتا طويلا وتكون مكلفة.
أما النهج الرقمي فيعمل بطريقة مختلفة.
إذ يتم مسح السن ضوئيا أو إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد دقيق لها على الكمبيوتر.
ثم يصمم التاج باستخدام برنامج متخصص، ويرسل الملف إلى الطابعة ثلاثية الأبعاد.
ويمكن لهذه الطريقة تقليل عدد المراحل الوسيطة، إذ لا تعود هناك حاجة إلى تصنيع عدد كبير من الطبعات المادية والنماذج الجبسية والنماذج التجريبية المصنوعة من الشمع.
وتساهم الأساليب الرقمية في طب الأسنان في تقليل استهلاك المواد، كما يمكن أن تخفض مدة تصنيع التاج من عدة أسابيع إلى بضع ساعات.
وهدفنا هو جعل هذه التقنية متاحة للجميع ومنخفضة التكلفة، بحيث يتمكن علماء البيئة في مختلف أنحاء العالم من تنزيل ملفات النماذج مجانا واستخدامها بسرعة لإنقاذ الحيوانات.
إمكانية مساعدة حيوانات أخرى
هل يمكن تكييف الخوارزمية التي طورتموها لمساعدة حيوانات ثديية كبيرة أخرى في حدائق الحيوان؟
نعم، يمكن تكييف المبدأ نفسه ليستخدم مع حيوانات كبيرة أخرى في حدائق الحيوان والمحميات الطبيعية.
ويمكن بسهولة تغيير المعايير داخل النموذج الحاسوبي وتكييفها مع الخصائص التشريحية لفكوك وحيد القرن وأفراس النهر أو السنوريات الكبيرة، مثل الأسود والنمور والفهود.