كشف موقع Defense News أن قيادة القتال المستقبلي في الجيش الفرنسي تسعى إلى إيجاد طرق لصنع منطقة عمياء في ساحة معركة تتجه نحو الشفافية المتزايدة، بهدف استعادة المناورة الهجومية، من خلال دراسة كل شيء بدءا من الأشراك المادية وصولا إلى الحرب الإلكترونية والخداع الكهرومغناطيسي.
وقال الجنرال برونو باراتز، قائد القيادة، إن شفافية ساحة المعركة والأسلحة الحديثة القوية والدقيقة خلقت معا منطقة موت على طول خط المواجهة، حيث يصبح الاقتراب من العدو خطيرا للغاية، فما يحتاجه الجيش الآن أكثر من أي تقنية جديدة هو وسيلة لكسر الجمود التكتيكي الناتج.
وأضاف باراتز أن المناورة على خط المواجهة الأوكراني توقفت إلى حد كبير، لأن المراقبة شبه المستمرة بالمسيرات تعني أن أوكرانيا وروسيا لا تستطيعان حشد القوات دون تعريضها للتدمير، وهي حالة تشابه الحرب العالمية الأولى.
فرنسا تبحث عن طرق لإخفاء النوايا وتركيز القوات
وبحسب الموقع أكد باراتز أن هناك عددا كبيرا من الطرق للتفكير في الخداع، بما في ذلك الأشراك المادية والخداع الكهرومغناطيسي باستخدام مراكز قيادة محاكاة، كالنسخ القابلة للنفخ، بالإضافة إلى أهمية التشويش الكهرومغناطيسي، والحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية مع تزايد ترابط القوات.
وتساءل: كيف يمكننا إعماء الخصم؟ وكيف نضلله بشأن نوايانا؟ وكيف نخلق ضعفا مؤقتا لديه لاستعادة الزخم والعمل الهجومي؟ والأهم من ذلك، كيف نخدع مستشعراته أو نضمن ألا ترى مستشعراته الأشياء الصحيحة، مما يسمح بتركيز القوة، لأننا اليوم لا نستطيع التركيز إذا دمرنا، وبالتالي لا توجد الكتلة اللازمة لقلب توازن الخصم.
نموذج قابل للنفخ لمدفع هاوتزر قيصر الفرنسي (مصدر الصورة: Rudy Ruitenberg/staff)
الذكاء الاصطناعي يسرّع التحول التكنولوجي في الجيوش
بحسب الموقع ذكر باراتز أن التقنيات الأخرى التي قد تعيد تشكيل ساحة المعركة تشمل التقنية الكمية، سواء للاتصالات الآمنة أو للاستشعار، وأضاف أن هناك أيضا تحليل الصور متعدد الأطياف الذي بدأ يسمح لنا برؤية ما تحت الأشجار وما تحت الغطاء، وهناك تقنيات جديدة، غالبا مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، توفر قدرات لم نكن نتخيلها حتى الآن.
فوتيرة التغير التكنولوجي في بعض المجالات أصبحت تقاس الآن بالأسابيع بدلا من السنوات أو الأشهر، مما يخلق صعوبات جديدة أمام الجيش، واستشهد باراتز بالاتصالات السلكية واللاسلكية، حيث يتخلف الجيش بفارق كبير عن القطاع المدني من حيث النطاق الترددي وقدرة نقل البيانات، حتى مع تنظيم ساحة المعركة الحديثة حول البيانات، وقال إن الجيش قد يكون على وشك ثورة في الحرب مشابهة لثورة عام 1920، عندما سرعت المدرعات والاتصالات اللاسلكية وتيرة المناورة.
الابتكار من القاعدة يعيد تشكيل التفكير العسكري الفرنسي
وأوضح باراتز أن ساحة المعركة الحديثة تغيرت جذريا عن الماضي، عندما كانت التكتيكات العسكرية تنظم في نهاية المطاف حول الجغرافيا، أي خط التلال الذي يحدد مجال النار أو مجال الرؤية، وتساءل: كيف نعيد اختراع أنفسنا تكتيكيا؟، ففي ذلك الوقت، لم نعيد اختراع أنفسنا حقا، ودفعنا الثمن في عام 1940.
وقال إن الابتكار أصبح عنصرا من عناصر التفوق العملياتي للجيوش، والقدرة على التكيف المستمر مع الأنظمة ودمج التقنيات الجديدة أمر أساسي، ولهذا تبنت قيادة القتال المستقبلي منطقا مختلفا تماما عن النهج التقليدي من أعلى إلى أسفل في الجيش، وأصبحت تشجع الاختبار والترقيع والتجريب على مستوى الأفواج، بهدف جعل القوة أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على التكيف وإبداعا.
وبينما ستظل البرامج واسعة النطاق ضرورية، يحتاج الجيش أيضا إلى القدرة على إعادة توظيف التقنيات المدنية للأغراض العسكرية والتحرك بشكل متزايد نحو الأنظمة مفتوحة البنية.
ملامح التحول العسكري المستقبلي
وفي الختام أوضح الموقع أن الجيوش لم تعد تتعامل مع التكنولوجيا كأداة مساندة فحسب، بل كعنصر جوهري يعيد تعريف قواعد المناورة والاشتباك، فالسعي إلى خلق منطقة عمياء في ساحة معركة شفافة يكشف عن إدراك عميق بأن التفوق لم يعد يُقاس بقوة النار وحدها، بل بالقدرة على التحكم في المعلومة وتضليل الخصم وإخفاء النوايا.
وفي مواجهة جمود تكتيكي يشابه جمود الحرب العالمية الأولى، يبدو أن الحل يكمن في مزيج من الخداع الكهرومغناطيسي والحرب الإلكترونية والتقنيات الكمية والذكاء الاصطناعي، لكن هذه الثورة لن تتحقق دون تحول في العقلية المؤسسية، يقوم على الابتكار من القاعدة، وإعادة توظيف التقنيات المدنية، وتبني أنظمة مفتوحة ومرنة.
وهنا يبرز الدرس الأهم: من لا يعيد اختراع نفسه تكتيكيا اليوم قد يدفع الثمن غدا.