أظهرت تجربة حاكت ظروف انعدام الجاذبية أن الجينوم البشري يحافظ على بنيته ونشاطه حتى في غياب الجاذبية لمدة 24 ساعة.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة نيويورك، في محاولة لفهم تأثير الجاذبية في تنظيم المادة الوراثية داخل الخلايا. ونشرت نتائج البحث في مجلة Science Advances.
كيف ينظم الحمض النووي داخل الخلية؟
الجينوم يحافظ على استقراره في الفصاء ( مصدر الصور: جامعة نيويورك )
أتاح مشروع «الجينوم البشري»، الذي انطلق عام 1990، فك تسلسل الحمض النووي البشري، إلا أن المبادئ الفيزيائية التي تحدد كيفية تنظيم الحمض النووي داخل الخلية لا تزال غير مفهومة بشكل كامل.
ومن الأسئلة التي لم تكن الإجابة عنها واضحة حتى الآن: هل تؤثر الجاذبية في طريقة تنظيم الجينوم داخل الخلية؟
يحتوي الجينوم البشري على نحو مترين من جزيئات الحمض النووي، وهي مضغوطة داخل نواة لا يتجاوز حجمها نحو 10 ميكرومترات، أي ما يقارب عرض ليف حريري.
وترتبط بنية الجينوم بشكل مباشر بوظائفه داخل الخلية، ولذلك فإن حدوث اضطرابات في تنظيمه يمكن أن يرتبط بأمراض مثل السرطان واضطرابات النمو.
لكن العلماء أرادوا معرفة ما إذا كانت الجاذبية، التي تؤثر باستمرار في الكائنات الحية على الأرض، تؤدي دورا في تنظيم هذه البنية.
جهاز يحاكي انعدام الجاذبية
لاختبار ذلك، استخدم فريق من جامعة نيويورك جهازا يعرف باسم آلة التموضع العشوائي، يعمل على تدوير أطباق تحتوي على خلايا حية حول محورين، بهدف محاكاة ظروف انعدام الجاذبية.
وطور الباحثون خوارزميات جديدة لتقليل حركة السوائل داخل الأطباق أثناء التجربة، لأن تدفق السوائل يمكن أن يؤثر في الخلايا ويؤدي إلى نتائج قد يصعب تمييزها عن تأثير انعدام الجاذبية نفسه.
وقالت ألكسندرا زيدوفسكا، الأستاذة المساعدة في قسم الفيزياء بجامعة نيويورك، إن البيانات التي حصل عليها الفريق تشير إلى أن الجينوم وتنظيمه وديناميكياته تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقرار، ويبدو أنها لا تتأثر بالجاذبية أو بغيابها خلال فترة 24 ساعة.
تغيرات محدودة في نواة الخلية
بعد تعرض الخلايا لظروف تحاكي الجاذبية الصغرى لمدة 24 ساعة، رصد الباحثون عدة تغيرات محدودة.
فقد ازداد حجم نواة الخلية، ما يشير إلى احتمال أن تكون الجاذبية الموجودة على الأرض مسؤولة جزئيا عن ضغط النواة.
في المقابل، لم تتغير هيئة الخلية نفسها بشكل ملحوظ. أما تدفقات السوائل داخل البيئة التجريبية فقد تسببت في تغيرات في شكل الخلايا.
كما حافظ الغلاف النووي على سمكه وبنيته، في حين بقي الحمض النووي سليما في ظروف انعدام الجاذبية المحاكاة.
واللافت أن تلف الحمض النووي ظهر عند تعرض الخلايا لتدفقات السوائل، وليس بسبب محاكاة انعدام الجاذبية نفسها.
تغير في النوية
رصد الباحثون أيضا تغيرا في النوية، وهي أكبر تجمع سائل داخل نواة الخلية، إذ أصبحت أكثر نعومة بعد التعرض لظروف الجاذبية الصغرى المحاكاة لمدة 24 ساعة.
وبشكل عام، كانت التغيرات التي حدثت خلال فترة التجربة قصيرة المدى محدودة للغاية، ما يشير إلى أن تنظيم الجينوم البشري يتمتع بقدرة كبيرة على مقاومة التغيرات الناتجة عن غياب الجاذبية خلال هذه الفترة.
تأثير أطول يحتاج إلى مزيد من الدراسة
رغم النتائج، يحذر الباحثون من أن التعرض لظروف انعدام الجاذبية لفترات أطول قد يؤدي إلى تأثيرات أكبر، وربما ينعكس ذلك على وظائف الخلايا وحالتها الفيزيولوجية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل وجود أدلة على أن الخلايا تتعرض لتلف في الحمض النووي أثناء وجودها في الفضاء.
وبالتالي، لا تعني نتائج التجربة أن البيئة الفضائية لا تؤثر في الخلايا أو الحمض النووي على الإطلاق، وإنما تشير إلى أن غياب الجاذبية بحد ذاته لم يسبب تغيرات كبيرة في تنظيم الجينوم خلال فترة 24 ساعة.
ويحتاج العلماء إلى إجراء تجارب تمتد لفترات أطول، إلى جانب دراسة تأثير عوامل أخرى موجودة في الفضاء، لفهم كيفية استجابة الخلايا البشرية للبيئة الفضائية بشكل كامل.