‏الذكاء الاصطناعي يفكك أصوات الفيلة ويكشف سر قرارات القطيع

‏الذكاء الاصطناعي يكشف كيف تتحدث الفيلة وتتخذ قراراتها جماعيا   ‏‏( مصدر الصور: Freepik ) ‏الذكاء الاصطناعي يكشف كيف تتحدث الفيلة وتتخذ قراراتها جماعيا ‏‏( مصدر الصور: Freepik )

‏توصل علماء من بريطانيا وجنوب إفريقيا، باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى أن الفيلة الإفريقية تستخدم أنماطا صوتية معقدة تشبه "الجوقة" لتنسيق تحركات المجموعات العائلية الكبيرة واتخاذ قرارات جماعية.

‏وأظهرت نتائج دراسة واسعة امتدت لأكثر من 10 سنوات من المراقبة، ونشرت في مجلة Scientific Reports، أن الفيلة لا تكتفي بإصدار أصوات للتواصل فيما بينها، بل تستطيع مزامنة أصواتها لتكوين تدفق صوتي موحد عندما تحتاج المجموعة إلى اتخاذ قرار مشترك.

‏ما الذي اكتشفه الذكاء الاصطناعي؟

‏كان يعتقد سابقا أن الهمهمة المنخفضة الشهيرة لدى الفيلة، والمعروفة باسم الرومب، تستخدم بشكل أساسي للحفاظ على الاتصال بين أفراد القطيع على مسافات بعيدة.

‏لكن تحليل آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية، التي جرى الحصول عليها باستخدام ميكروفونات محمية من التلف وطائرات مسيرة، كشف أن الفيلة تبدأ بمزامنة أصواتها عندما تواجه المجموعة موقفا يتطلب اتخاذ قرار جماعي، مثل تحديد اتجاه الحركة أو كيفية الاستجابة لاقتراب خطر.

‏وأطلق الباحثون على هذه العملية اسم التقارب الصوتي.

‏وتشبه هذه العملية الغناء بصوت واحد، إلا أن الفيلة لا تكتفي بالرد على أصوات بعضها بعضا، بل تضبط تردد أصواتها وإيقاعها ونبرتها بما يتناسب مع أصوات أفراد المجموعة، لتشكيل تدفق صوتي موحد.

‏كيف جمع العلماء البيانات؟

‏استخدم الباحثون مجموعة من الوسائل لجمع البيانات الصوتية والسلوكية.

‏فقد أجروا مراقبة صوتية من خلال تثبيت ميكروفونات محمية بالقرب من مصادر المياه المعروفة ومسارات هجرة الحيوانات.

‏كما ثبتوا على بعض الفيلة أطواقا مزودة بأجهزة تحديد المواقع GPS ومقاييس للتسارع، لجمع معلومات عن حركة الحيوانات وسلوكها.

‏بالإضافة إلى ذلك، استخدم الفريق تسجيلات صوتية جرى جمعها في منتزه أمبوسيلي الوطني في كينيا.

‏الذكاء الاصطناعي يفكك الأصوات

‏لفهم البنية المعقدة لأصوات الفيلة، استخدم الفريق تحليلا يعتمد على الشبكات العصبية، وهي تقنية سبق استخدامها في دراسة لغة الحيتان وأصواتها.

‏وساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين على فصل الأصوات الفردية للفيلة من الهمهمة منخفضة التردد، التي لا يستطيع الإنسان سماع جزء كبير منها، ثم إثبات وجود تقارب صوتي بين الحيوانات وتحول أصواتها إلى إيقاع متزامن.

‏أنثى القطيع تقود الجوقة

‏أظهر البحث أن مزامنة الأصوات ترتبط بشكل مباشر بالبنية الاجتماعية للقطيع.

‏وفي معظم الحالات، تبدأ أكبر الإناث سنا وأكثرها خبرة، أي أنثى القطيع القائدة أو الأم الحاكمة، بالصوت الرئيسي في هذه الجوقة. ويعمل صوتها بمثابة مرجع صوتي لبقية أفراد المجموعة.

‏وتدخل الإناث التي تربطها صلة قرابة وثيقة بهذا الإيقاع بسرعة أكبر من غيرها.

‏لكن عندما يتعلق الأمر بقرارات شديدة الأهمية، مثل اكتشاف الصيادين غير الشرعيين، تنضم إلى الجوقة حتى الفيلة البعيدة نسبيا عن مركز المجموعة، وكذلك الفيلة الصغيرة في سن المراهقة، التي تكون أصواتها عادة أكثر استقلالا.

‏الأصوات تحمل معلومات عن الخطر

‏أظهر تحليل المخططات الطيفية للأصوات أن "الجوقة" لا تنقل معلومات عن اتجاه الحركة فقط، بل تحمل أيضا معلومات عن مستوى القلق والخطر.

‏فكلما ارتفع تردد أصوات الرومب وزادت كثافتها، دل ذلك على أن المعلومات التي يجري تبادلها أكثر إلحاحا.

‏وهذا يعني أن الفيلة يمكنها استخدام التغيرات في خصائص أصواتها للتعبير عن مدى سرعة الاستجابة المطلوبة للموقف.

‏لماذا تستخدم الفيلة الجوقة؟

‏يرى الباحثون أن هذا السلوك يوفر للفيلة عدة فوائد رئيسية:

‏التغلب على الضوضاء:

‏في المناطق ذات النباتات الكثيفة أو خلال موسم الأمطار، قد تضيع الإشارة الصوتية الفردية وسط الضوضاء الطبيعية. أما الجوقة فتتميز بقوة صوتية أكبر وقدرة أعلى على مقاومة التشويش.

‏تنسيق حركة القطيع:

‏الفيلة حيوانات متنقلة، وتحدد أنثى القطيع القائدة عادة اتجاه الحركة. وتساعد المزامنة الصوتية على توحيد استجابة أفراد المجموعة بسرعة، بما في ذلك الفيلة الصغيرة التي قد تتردد في تغيير اتجاهها، ما يقلل خطر انقسام القطيع.

‏تعزيز الروابط الاجتماعية:

‏يعمل إصدار الأصوات بصورة جماعية كوسيلة لتعزيز الروابط بين أفراد القطيع، وقد يساعد على خفض مستوى التوتر لدى الفيلة الصغيرة، كما يعزز تماسك المجموعة عند مواجهة الأخطار.

‏فهم لغة الفيلة يساعد على حمايتها

‏يرى مؤلفو الدراسة أن فهم الطريقة التي تتواصل بها الفيلة وتتخذ من خلالها قراراتها الجماعية يفتح إمكانات جديدة لحماية هذه الحيوانات.

‏وتشير النتائج إلى أن التواصل لدى الفيلة أكثر تعقيدا مما كان معروفا، وأن تحليل أصواتها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكشف أنماطا سلوكية يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية.

‏وقد يساعد فهم هذه الإشارات مستقبلا في تطوير وسائل أفضل لمراقبة سلوك قطعان الفيلة، وفهم استجابتها للمخاطر، ودعم جهود الحفاظ عليها.