ماذا يعني وصف عملية طبية بأنها «الأولى»؟ هل يتعلق الأمر بمجرد إجراء جراحي بالغ التعقيد؟ بالتأكيد، لكن الأمر في هذه الحالة يحمل أهمية أكبر، إذ قد يفتح صفحة جديدة في تاريخ أحد أقدم معاهد علاج الأورام في روسيا، والأهم أنه قد يمنح أملا جديدا في الحياة لمريض كان يمكن أن يقال له حتى وقت قريب إن الخيارات الجراحية والعلاجية المتاحة قد استنفدت.
مريض بسرطان الكبد وتليف متقدم
زراعة الكبد ( مصدر الصور: Unsplash )
كان المريض فلاديمير نيكولايفيتش، البالغ من العمر 68 عاما من مدينة تولياتي الروسية.
وكان قد وصل إلى معهد موسكو لأبحاث الأورام التابع لمركز هيرزن في العام الماضي، حيث شخصت إصابته بـ سرطان الخلايا الكبدية على خلفية تليف الكبد.
خضع المريض للعلاج وتلقى علاجا دوائيا، لكن الاستمرار في العلاج أصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت، إذ كان تليف الكبد يتقدم، كما ازداد لديه ارتفاع ضغط الدم البابي.
أما إزالة الورم جراحيا بشكل منفصل فلم تكن ممكنة، لأنه كان موجودا بالقرب من أوعية دموية كبيرة. كما أن حالة الكبد نفسه لم تكن تسمح بإجراء الجراحة التقليدية.
زراعة الكبد كخيار علاجي
عندما تضيق الخيارات العلاجية المعتادة، تصبح مسألة الخطوة التالية من أصعب الأسئلة بالنسبة إلى المريض والطبيب على حد سواء.
لكن الأطباء لم يكتشفوا وجود نقائل سرطانية بعيدة لدى فلاديمير نيكولايفيتش.
وأتاحت مجموعة المؤشرات السريرية إمكانية النظر في خيار آخر، وهو زراعة الكبد .
وفي هذه الحالة، كانت عملية الزراعة تحقق هدفين في الوقت نفسه، إذ تتيح إزالة الكبد المصاب والورم الموجود فيه واستبداله بكبد من متبرع.
السرطان وزراعة الأعضاء
حتى وقت قريب نسبيا، كان الجمع بين تشخيص السرطان وزراعة الأعضاء يعتبر أمرا غير ممكن في كثير من الحالات.
وقال سيرغي غوتييه، مدير المركز الوطني لأبحاث زراعة الأعضاء والأعضاء الاصطناعية في روسيا والأكاديمي في الأكاديمية الروسية للعلوم، إن وجود مرض سرطاني كان يعتبر في السابق مانعا مطلقا لإجراء زراعة الأعضاء.
وأوضح أن زراعة الكبد لمرضى سرطان الخلايا الكبدية دخلت تدريجيا ضمن الممارسة الطبية، وأصبحت اليوم بالنسبة إلى فئة محددة من المرضى الطريقة المثلى للعلاج الجذري.
وأكد أن معايير اختيار المرضى تؤدي دورا أساسيا، لأنها تساعد الأطباء على تقييم فرص المريض على المدى الطويل.
الزراعة ليست مناسبة لجميع المرضى
يشدد الأطباء على أن هذه النقطة مهمة، لأن الحديث عن زراعة الكبد لمريض مصاب بالسرطان لا يعني أنها أصبحت حلا متاحا لجميع مرضى سرطان الكبد.
فالزراعة لا تحل محل طرق العلاج الحالية، ولا تمثل إجابة علاجية عامة لكل حالات سرطان الكبد.
ويخضع اختيار المرضى لمعايير صارمة، كما يجب أن يكون كل قرار بإجراء الزراعة مبررا من الناحية المتعلقة بعلاج السرطان.
لكن عندما يستوفي المريض المعايير المطلوبة، تصبح أمام الأطباء فرصة إضافية لتقديم علاج جذري يمكن أن يغير مسار الحالة.
التحضير للعملية بدأ قبل دخول غرفة العمليات
لم تبدأ أول عملية زراعة كبد في معهد هيرزن فعليا عند وصول المريض إلى غرفة العمليات، إذ سبقتها فترة طويلة من التحضير والتدريب وإنشاء البنية التحتية اللازمة.
وتلقى اختصاصيو المعهد تدريبات على يد زملائهم في المركز الوطني لأبحاث زراعة الأعضاء والأعضاء الاصطناعية التابع للأكاديمي شومَاكوف.
كما جرى تجهيز البنية التحتية والمعدات اللازمة، وإعداد نظام لمتابعة المرضى بعد العمليات.
ونفذ الفريقان الطبيان العملية الأولى معا.
برنامج جديد لزراعة الكبد
وعندما سئل أندريه كابرين، المدير العام للمركز الوطني لأبحاث الأشعة والأكاديمي، عن سبب إنشاء برنامج خاص لزراعة الأعضاء، أوضح أن زراعة الكبد بالنسبة إلى مركز حديث لعلاج الأورام تعني قبل كل شيء توسيع خيارات العلاج الجذري لبعض المرضى المصابين بالأورام الخبيثة في الكبد.
وقال إن إطلاق برنامج زراعة الأعضاء أصبح ممكنا بفضل دعم وزارة الصحة الروسية والتعاون مع المركز الوطني لأبحاث زراعة الأعضاء والأعضاء الاصطناعية التابع للأكاديمي شومَاكوف.
وأضاف أن الأولوية الآن تتمثل في تطوير البرنامج مع الحفاظ على الاختيار الصارم للمرضى والتأكد من المبررات الطبية المتعلقة بالسرطان لكل عملية.
6 ساعات داخل غرفة العمليات
استغرقت العملية ست ساعات داخل غرفة العمليات.
وشملت إزالة الكبد المصاب، ثم زراعة الكبد المتبرع به، وإجراء التوصيلات الجراحية للأوعية الدموية.
وخلال العملية نفسها، أكد فحص بالموجات فوق الصوتية أن تدفق الدم في الكبد المزروع كان طبيعيا وكاملا.
وقد تبدو الساعات الست مجرد سطر قصير في السجل الطبي، لكنها كانت نتيجة عمل فريق طبي كبير وتحمل مسؤولية هائلة، خصوصا في عملية تكون فيها أهمية كل قرار واضحة للغاية.
المريض يغادر المستشفى
في 5 أكتوبر، وبعد أسبوع من إعادة التأهيل والتعافي، غادر فلاديمير نيكولايفيتش المستشفى.
وسيواصل المريض متابعة حالته مع الأطباء في مكان إقامته، وكذلك في معهد هيرزن.
بداية برنامج علاجي جديد
قد تبدو قصة مريض واحد وعملية واحدة غير كافية للحديث عن تحول كبير في علاج السرطان، لكن أهمية هذه العملية لا تكمن فقط في كونها الأولى.
فالهدف الأهم هو أن تتبعها عمليات أخرى، وبذلك لا تبقى العملية مجرد حالة طبية استثنائية، بل تصبح بداية برنامج سريري جديد لزراعة الكبد لدى فئة محددة من مرضى السرطان.
وهذا يعني أن الأطباء، عند مناقشة حالات جديدة ومعقدة لمرضى مصابين بأورام الكبد، أصبح لديهم خيار علاجي إضافي يمكن أن يمنح بعض المرضى فرصة للعلاج الجذري ويعيد إليهم الأمل في النجاة.