كشف علماء آثار من المتحف الوطني الدنماركي أن الرجال والنساء والأطفال في المجتمعات القديمة في اسكندنافيا تعرضوا بصورة متكررة للعنف على أيدي أفراد من مجتمعاتهم، وأن جثامين بعض الضحايا دُفنت في أماكن غير مألوفة على الإطلاق.
ونشرت الدراسة في مجلة «Journal of Archaeological Method and Theory» العلمية، حيث سلطت الضوء على ممارسات دفن غير تقليدية، قد تغير التصورات السائدة عن المعايير الاجتماعية في تلك المجتمعات.
عظام نحو 200 شخص تكشف ممارسات غير مألوفة
خلال العصر الحديدي الاسكندنافي، الذي امتد تقريبا من عام 500 قبل الميلاد إلى الفترة بين عامي 500 و800 ميلادي، وكذلك خلال عصر الفايكنغ الذي انتهى نحو عام 1050 ميلادي، تزايدت المواجهات العنيفة بصورة مستمرة، وفقا لما أورده التقرير.
ولفهم الظروف الاجتماعية التي أحاطت بهذه الممارسات، حلل الباحثون عظام نحو 200 شخص عُثر عليها في مناطق تقع ضمن حدود الدنمارك والنرويج والسويد حاليا.
وأظهرت النتائج أن عددا كبيرا من الموتى لم يُدفنوا في تلال الدفن التقليدية أو المقابر المعتادة، بل وُضعت رفاتهم أو أجزاء منها في أماكن غير مألوفة.
وشملت هذه المواقع حفر الأعمدة، والآبار، والساحات، وتحت أرضيات المنازل.
وأظهرت الفحوص أن ما لا يقل عن 12 شخصا من بين الحالات المدروسة تعرضوا لإصابات قاتلة، ارتبط نصفها تقريبا بإصابات خطيرة في الرأس.
ورغم أن غالبية الضحايا كانوا من الرجال البالغين، فقد شملت البقايا المكتشفة أيضا نساء وطفلا صغيرا، ما يشير إلى أن العنف لم يقتصر على فئة واحدة من أفراد المجتمع.
عظمة طفل تحت أرضية منزل قديم
دفن ضحايا العنف في اسكندنافيا القديمة ( مصدر الصورة: Freepik )
من بين أكثر الاكتشافات غرابة، عثور علماء الآثار على عظمة من العظم الجبهي لطفل داخل منزل يعود إلى العصر الحديدي في مدينة ألبورغ الدنماركية.
ويعود الموقع إلى فترة بين عامي 500 و1 قبل الميلاد، وفقا للتقرير.
وأظهرت التحليلات أن الطفل توفي عندما كان عمره يتراوح بين عامين وأربعة أعوام، كما كشف تحليل الحمض النووي أنه كان ذكرا.
ووجد الباحثون أن الطفل تعرض لضربة قاتلة بالسيف، فيما أشارت الأدلة الأثرية إلى أن العظمة أُدمجت عمدا في أرضية غرفة استمر الناس في العيش فيها.
ويثير هذا الاكتشاف تساؤلات حول الأسباب التي دفعت سكان المنزل إلى وضع عظمة طفل قُتل بعنف داخل الأرضية، بدلا من دفنه بالطريقة المعتادة.
عظمة أقدم من المنزل بنحو قرنين
كشفت نتائج التأريخ بالكربون المشع عن تفصيل إضافي لافت، إذ تبين أن العظمة أقدم من المنزل الذي عُثر عليها فيه بنحو قرنين من الزمن.
ويشير هذا الفارق الزمني إلى احتمال الاحتفاظ بالعظمة بوصفها أثرا ذا قيمة رمزية أو غنيمة، عبر أجيال متعاقبة، قبل أن تُدمج في أرضية المنزل.
ومع ذلك، لا تستطيع الأدلة المتاحة تحديد الغرض الدقيق من الاحتفاظ بالعظمة أو تفسير سبب وضعها في الأرضية بعد مرور كل هذه المدة.
ويشير الاكتشاف إلى أن بعض الرفات البشرية ربما لم تُعامل باعتبارها بقايا موتى فحسب، بل احتفظ بها الناس لفترة طويلة قبل نقلها إلى مواقع أخرى.
جمجمة امرأة في بئر من عصر الفايكنغ
عثر الباحثون في موقع أثري آخر يعود إلى عصر الفايكنغ، وتحديدا إلى الفترة بين عامي 750 و1050 ميلادي، على جمجمة امرأة شابة داخل بئر.
وأظهرت الجمجمة آثار إصابات ناتجة عن ضربات بأداة حادة، ربما كانت فأسا أو سيفا.
ويرجح الباحثون أن عظام المرأة ربما احتُفظ بها في مكان ما مدة طويلة قبل إلقائها في البئر، على غرار ما حدث مع عظمة الطفل المكتشفة تحت أرضية المنزل.
وتعزز هذه الحالة احتمال أن بعض الرفات البشرية نُقلت بعد الوفاة، بدلا من دفنها مباشرة في الموقع الذي عُثر عليها فيه.
لكن توقيت نقل العظام والغرض من ذلك لا يزالان غير محسومين، في ظل محدودية الأدلة التي يمكن أن تكشف تفاصيل هذه الممارسات.
لماذا دُفن الضحايا تحت الأرضيات وفي الآبار؟
يرى الباحثون أن هذه الاكتشافات تستدعي إعادة النظر في فهم طبيعة المجتمعات الاسكندنافية خلال العصر الحديدي وعصر الفايكنغ.
ومع ذلك، لا تزال الأسباب التي دفعت الناس إلى التعامل مع جثامين الضحايا بهذه الطريقة غير واضحة تماما.
ويطرح الباحثون عدة احتمالات لتفسير هذه الممارسات، من بينها أن بعض الضحايا تعرضوا للعنف المنزلي أو العقوبات الجسدية أو أشكال مختلفة من العدوان الاجتماعي.
كما يرجحون أن المكانة الاجتماعية لبعض هؤلاء الأشخاص ربما جعلتهم أكثر عرضة للعنف، أو أدت إلى حرمانهم من مراسم الدفن والحداد التقليدية.
وقد تكون هذه الممارسات مرتبطة أيضا بعلاقات القوة أو الأعراف الاجتماعية التي لم تتضح تفاصيلها بعد.
لكن هذه التفسيرات تظل فرضيات تحتاج إلى مزيد من الأدلة الأثرية، ولا يمكن الجزم بأن جميع حالات الدفن غير التقليدي كانت نتيجة ظروف أو دوافع متشابهة.
وتقدم الدراسة، في المحصلة، أدلة جديدة على أن التعامل مع الموتى في اسكندنافيا القديمة كان أكثر تنوعا وتعقيدا مما توحي به الصورة التقليدية عن طقوس الدفن في تلك الحقبة.