‏انخفاض التستوستيرون وارتفاعه يرتبطان بزيادة خطر اضطراب ضربات القلب

هل يؤثر مستوى التستوستيرون في انتظام ضربات القلب؟  ‏( مصدر الصورة: Getty Images ) هل يؤثر مستوى التستوستيرون في انتظام ضربات القلب؟ ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏قد يبدو رفع مستوى أحد الهرمونات المنخفضة وسيلة مباشرة لاستعادة التوازن في الجسم، لكن الفوائد الصحية المرتبطة بالتستوستيرون قد تعتمد على مقدار ارتفاع مستواه.

‏يساعد هرمون التستوستيرون على دعم الرغبة الجنسية وصحة العضلات والعظام، وقد يتلقى بعض الرجال الذين يعانون من نقصه علاجا تعويضيا بالهرمون. لكن هل يمكن أن يؤثر مستوى التستوستيرون أيضا في انتظام ضربات القلب؟

‏تناولت مراجعة علمية منشورة في مجلة «جورنال أوف ذا إندوكرين سوسايتي» (Journal of the Endocrine Society) هذا السؤال، بقيادة الباحث في أمراض القلب والأوعية الدموية أناند ريدي ماليغيريدي من المركز الطبي بجامعة كانساس. وراجع الفريق دراسات سابقة أجريت على البشر، إلى جانب أبحاث مخبرية.

‏وخلص الباحثون إلى أن انخفاض مستويات التستوستيرون وارتفاعها يرتبطان بزيادة خطر الإصابة بأحد اضطرابات نظم القلب، وهو الرجفان الأذيني. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كان الهرمون نفسه هو السبب المباشر، أم أن عوامل أخرى تسهم في هذه العلاقة.

‏ويرى الباحثون أن الخطر قد يكون الأقل عندما يقع مستوى الهرمون قرب منتصف النطاق الطبيعي، لكن لم يثبت حتى الآن أن استهداف هذا المستوى يقلل بالفعل احتمال الإصابة بالرجفان الأذيني.

‏وقد تساعد النتائج الأطباء على تحديد المستويات التي ينبغي استهدافها عند علاج الرجال الذين يحتاجون إلى تعويض التستوستيرون، وعلى تحسين متابعة حالتهم الصحية خلال العلاج.

التستوستيرون واضطراب نظم القلب ‏( مصدر الصورة: Getty Images )

‏ما الرجفان الأذيني، وكيف يؤثر في القلب؟

‏يحدث الرجفان الأذيني عندما تفقد الحجرتان العلويتان للقلب، المعروفتان باسم الأذينين، انتظامهما وتناسقهما الطبيعي في الانقباض.

‏وقد يؤدي هذا الاضطراب إلى الشعور بخفقان القلب أو التعب أو الدوار، بينما لا تظهر أعراض لدى بعض المصابين. كما يزيد الرجفان الأذيني خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، وقد يحتاج بعض المرضى إلى تناول أدوية مميعة للدم لفترات طويلة للحد من هذا الخطر.

‏وقال طبيب القلب راجات باروا، المشارك في إعداد الدراسة والعامل في المركز الطبي التابع لشؤون المحاربين القدامى في مدينة كانساس سيتي، إن المستويات المنخفضة جدا والمرتفعة جدا من التستوستيرون تبدو مرتبطة بزيادة خطر الرجفان الأذيني، ولكن من خلال آليات بيولوجية مختلفة.

‏ماذا كشفت الدراسات السابقة عن مستويات التستوستيرون؟

‏ربطت دراسات سكانية سابقة بين انخفاض التستوستيرون وزيادة خطر الإصابة بالرجفان الأذيني. ومن بينها دراسة فرامنغهام للقلب، التي وجدت أن انخفاض مستويات الهرمون ارتبط بزيادة احتمال الإصابة بهذا الاضطراب لدى بعض الفئات العمرية.

‏أما الأدلة المتعلقة بارتفاع التستوستيرون، فتشمل تحليلا لبيانات 4570 رجلا مسنا لم يكن لديهم تاريخ سابق للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

‏وخلال فترة متابعة بلغ متوسطها 4.4 سنوات، كان الرجال الذين سجلوا أعلى مستويين من التستوستيرون معرضين لخطر الإصابة بالرجفان الأذيني يعادل نحو ضعفي الخطر لدى الرجال الذين كانت مستويات الهرمون لديهم ضمن المجموعة المتوسطة.

‏وخلال الدراسة، أصيب 286 رجلا بالرجفان الأذيني. لكن الباحثين لم يجدوا زيادة ذات دلالة إحصائية في الخطر لدى الرجال الموجودين في الطرف المنخفض من مستويات التستوستيرون في هذه الدراسة تحديدا.

‏وتوضح هذه النتيجة أن الأدلة المتعلقة بانخفاض الهرمون ليست متطابقة في جميع الدراسات، وأن العلاقة قد تختلف باختلاف الفئات المدروسة والعوامل الصحية الأخرى.

‏تجربة سريرية رصدت زيادة في حالات الرجفان الأذيني

‏بحثت تجربة «ترافيرس» (TRAVERSE) المنشورة عام 2023 تأثير العلاج بالتستوستيرون لدى رجال يعانون من انخفاض مستوياته، ولديهم أمراض قلبية وعائية قائمة أو عوامل تزيد خطر الإصابة بها.

‏ووزعت التجربة 5246 رجلا عشوائيا على مجموعتين؛ تلقت الأولى هلام التستوستيرون، بينما تلقت الثانية هلاما لا يحتوي على الهرمون.

‏وخلال التجربة، سُجل الرجفان الأذيني لدى 3.5% من الرجال الذين تلقوا التستوستيرون، مقارنة بـ2.4% في المجموعة التي تلقت العلاج الوهمي.

‏ومع ذلك، لم تجد التجربة زيادة في المقياس الرئيسي المركب للنتائج القلبية الوعائية، الذي شمل الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، أو النوبة القلبية غير المميتة، أو السكتة الدماغية غير المميتة.

‏وتشير هذه النتائج إلى ضرورة التمييز بين رصد زيادة في حالة مرضية محددة، مثل الرجفان الأذيني، وبين النتائج القلبية الوعائية الرئيسية التي صممت التجربة أساسا لتقييمها.

‏كيف يمكن أن يؤثر التستوستيرون في كهرباء القلب؟

‏تشير الأبحاث المخبرية إلى أن انخفاض مستويات التستوستيرون وارتفاعها قد يؤثران في القلب عبر مسارات بيولوجية مختلفة.

‏فقد يؤدي انخفاض الهرمون إلى اضطراب تنظيم الكالسيوم داخل خلايا عضلة القلب، بينما قد تغير المستويات المرتفعة تيارات البوتاسيوم في هذه الخلايا.

‏ويشارك الكالسيوم والبوتاسيوم في تنظيم الإشارات الكهربائية التي تنسق ضربات القلب، ولذلك فإن حدوث تغيرات في حركتهما داخل الخلايا قد يؤثر في انتظام النبض.

‏لكن هذه التفسيرات تستند إلى الأدلة المخبرية المتاحة، ولا تثبت وحدها أن التغيرات الهرمونية هي السبب المباشر للرجفان الأذيني لدى البشر.

‏عوامل أخرى يجب مراعاتها قبل العلاج بالتستوستيرون

‏يوصي الباحثون بتقييم صحة القلب والعوامل الأخرى التي قد تؤثر في المخاطر قبل بدء العلاج بالتستوستيرون.

‏وتشمل هذه العوامل:

‏السمنة وزيادة الدهون في الجسم.

‏ارتفاع ضغط الدم.

‏تناول الكحول.

‏انقطاع النفس النومي، وهي حالة يتوقف فيها التنفس بصورة متكررة ويعود أثناء النوم.

‏وتكتسب هذه العوامل أهمية لأن بعضها قد يؤثر في صحة القلب ومستويات الهرمونات في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، ترتبط زيادة الدهون في الجسم بانخفاض مستويات التستوستيرون أيضا.

‏نتائج متباينة والحاجة إلى مزيد من التجارب

‏لا تتفق جميع الدراسات على وجود علاقة واضحة بين العلاج بالتستوستيرون وزيادة خطر الرجفان الأذيني.

‏ففي عام 2024، لم يجد تحليل شمل 106 تجارب عشوائية زيادة ذات دلالة إحصائية في خطر الرجفان الأذيني عند جمع نتائج التجارب الأخرى، بعد استبعاد تجربة ترافيرس من التحليل.

‏كذلك، لا تستطيع الدراسات الرصدية إثبات أن مستويات الهرمون هي التي تسببت في اضطراب ضربات القلب، بل يمكنها إظهار وجود ارتباط بين المتغيرات فقط.

‏ورغم أن استهداف منتصف النطاق الطبيعي للتستوستيرون لم يثبت حتى الآن أنه يقلل خطر الرجفان الأذيني، فقد تساعد النتائج على تطوير نهج أكثر تخصيصا في العلاج الهرموني ومراقبة المرضى.

‏ويحتاج الباحثون إلى تجارب إضافية لتحديد ما إذا كان الحفاظ على مستويات معينة من التستوستيرون يؤدي بالفعل إلى تقليل اضطرابات نظم القلب.

‏ونشرت المراجعة العلمية في مجلة «جورنال أوف ذا إندوكرين سوسايتي» (Journal of the Endocrine Society).

‏الخلاصة العلمية: تشير الأدلة إلى احتمال ارتباط كل من انخفاض التستوستيرون وارتفاعه بالرجفان الأذيني، لكنها لا تثبت أن الهرمون هو السبب المباشر، ولا تحدد حتى الآن المستوى الأمثل الذي يضمن تقليل الخطر. لذلك، لا ينبغي تغيير جرعات العلاج بالتستوستيرون أو البدء به اعتمادا على هذه النتائج وحدها، بل بالتشاور مع الطبيب.