أرشيف جزيئي داخل الخلايا يكشف نشاط الجينات السابق ويساعد على فهم انتكاس السرطان

‏تقنية جديدة تكشف ما كانت تفعله الخلايا قبل أيام وتساعد على دراسة عودة السرطان ‏( مصدر الصور: Freepik ) ‏تقنية جديدة تكشف ما كانت تفعله الخلايا قبل أيام وتساعد على دراسة عودة السرطان ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏طور باحثون من قسم علوم وهندسة النظم الحيوية التابع للمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ بمدينة بازل طريقة جديدة تتيح أرشفة جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA) داخل الخلايا نفسها.

‏وتسمح هذه التقنية للعلماء بمعرفة الحالة الحالية للخلية، إلى جانب استعادة معلومات عن  الجينات التي كانت نشطة فيها في الماضي. ويقول الباحثون إن هذه الإمكانية أصبحت متاحة للمرة الأولى بفضل الطريقة الجديدة.

‏لماذا يصعب معرفة ما حدث داخل الخلية سابقا؟

نشاط الجينات ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏يحصل العلماء عادة على صورة لحظية عن نشاط الخلايا، إذ يقيسون نشاط الجينات من خلال جزيئات الحمض النووي الريبي الناتجة عن عملها، والمعروفة باسم النسخ الجينية. لكن هذه الجزيئات تعكس نشاط الخلية في وقت القياس فقط.

‏إضافة إلى ذلك، تؤدي عملية جمع الحمض النووي الريبي وتحليله في الطرق التقليدية إلى تدمير الخلية، ما يعني أن قياسها بهذه الطريقة لا يمكن تكراره على الخلية نفسها.

‏ونتيجة لذلك، يصعب معرفة ما كانت تفعله الخلية قبل ساعات أو أيام، وهو ما يحد من قدرة الباحثين على فهم كيفية نشوء الاستجابات المناعية، أو أسباب نجاة بعض الخلايا السرطانية بعد العلاج.

‏وتكتسب القدرة على النظر إلى النشاط السابق للخلية أهمية خاصة عند دراسة التفاعلات المؤقتة، مثل الاستجابات المناعية واستجابات الإجهاد.

‏فعندما تتعرض الخلية لمحفز خارجي، تنشط جينات معينة، ثم تعود إلى إيقافها بعد زوال المؤثر. وإذا أُجري القياس التقليدي بعد مرور وقت طويل، فقد لا يبقى أي دليل واضح على حدوث الاستجابة أصلا.

‏وقد أظهر الباحثون، في تجارب على خلايا بشرية مزروعة في المختبر، كيف تستجيب الخلايا لجزيء إشاري صادر عن الجهاز المناعي، وكيف يمكن أن تختفي آثار هذه الاستجابة عند تأخر القياس.

‏كيف تنشئ التقنية أرشيفا داخل الخلية؟

‏لإنشاء الأرشيف، كان على الباحثين التقاط جزيئات الحمض النووي الريبي وحمايتها من التحلل الطبيعي، لأن هذه الجزيئات لا تكون مصممة للبقاء لفترات طويلة داخل الخلايا.

‏ولتحقيق ذلك، استخدم الفريق بروتينا موجودا في ما يُعرف باسم «حبيبات الإجهاد»، وهي تجمعات من الحمض النووي الريبي تظهر داخل الخلايا عند تعرضها للإجهاد، مثل العدوى. وفي هذه الظروف، توقف الخلية مؤقتا بعض عملياتها الأيضية وتحتفظ بجزيئات الحمض النووي الريبي لاستخدامها لاحقا.

‏وأجرى الباحثون تعديلات باستخدام تقنيات التكنولوجيا الحيوية على هذا البروتين وبروتينين آخرين، ليطوروا نظاما قادرا على تجميع جزيئات الحمض النووي الريبي داخل الخلية في طبقة تحيط بالميتوكوندريا، وهي البنى المسؤولة عن إنتاج معظم الطاقة التي تحتاج إليها الخلية.

‏وتساعد هذه الطبقة على حماية الجزيئات من الإنزيمات التي تعمل على تفكيك الحمض النووي الريبي وتحليله.

‏ويُدخل الباحثون التعليمات اللازمة لإنتاج البروتينات الثلاثة إلى الخلايا باستخدام جزيئات DNA دائرية تُعرف باسم البلازميدات. وبعد ذلك، تتولى الخلايا بناء الأرشيف بنفسها.

‏ويمكن لكل خلية أن تحتفظ في هذا الأرشيف بعدة آلاف من جزيئات الحمض النووي الريبي التي تراكمت خلال بضعة أيام.

‏كيف يمكن أن تساعد التقنية على فهم عودة السرطان؟

‏قد تكون هذه الطريقة مفيدة لاكتشاف الأحداث البيولوجية النادرة، خصوصا عندما لا يتمكن العلماء من تحديد الخلايا المهمة إلا بعد وقوع الحدث.

‏فيمكنهم اختيار هذه الخلايا لاحقا، ثم تحليل الأرشيف الموجود داخلها لمعرفة الجينات التي كانت نشطة في الماضي.

‏ومن التطبيقات المحتملة دراسة الخلايا السرطانية التي تنجو من العلاج الكيميائي، ثم تتمكن لاحقا من التسبب في عودة المرض، المعروفة باسم الانتكاس.

‏ولا يزال من غير المعروف بدقة أي الخلايا السرطانية ستنجو من العلاج وتساهم في عودة الورم، كما أن العمليات التي تؤدي إلى نشوء هذه القدرة لم تُفهم بالكامل بعد.

‏وقد تتيح التقنية الجديدة تتبع النشاط الجيني السابق لهذه الخلايا، ومساعدة الباحثين على فهم كيفية تشكلها وتطورها، ولماذا تستطيع بعض الخلايا البقاء بعد العلاج بينما تموت خلايا أخرى.

‏ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن التقنية أصبحت وسيلة جاهزة للتنبؤ بانتكاس السرطان أو منعه، بل تمثل أداة بحثية جديدة قد تساعد على فهم العمليات الخلوية التي يصعب رصدها بالطرق التقليدية.