تناول رمزي بارود وهو المستشار الإعلامي لصحيفة ميدل ايست آي، الأزمة التي تعيشها دولة الاحتلال الإسرائيلي مع قرب الانتخابات العامة المقررة في مطلع مارس/آذار المقبل، ورأى الصحافي الفلسطيني في مقال كتبه لـ موقع Counter Punch وترجمته "النهضة نيوز" انه وفي ظل ما يلاحق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي من قضايا فساد، وحساسية الانتخابات المقبلة، فإن (إسرائيل) ينتظرها عصر قاتم، في ظل ضياع النظام القانوني وغياب الدستور وتعثر الحياة السياسية.
وإليكم المقال كاملاً:
يجب أن يتحلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بروح هوديني (هوديني: ساحر يجيد فن الهرب من الفخاخ والمكائد) في الوقت الذي يواصل فيه التخطيط لهروبه من واحدة من أكثر المعضلات السياسية المعاصرة في تاريخ دولة الاحتلال .
فليس سراً أن سلوك نتنياهو السياسي يتشكل ويعتمد بالكامل تقريبا على رغبته في البقاء في منصبه لأطول فترة ممكنة من أجل تجنب الدخول إلى السجن بسبب تهم الفساد التي تلاحقه. ولكن إلى متى سيتمكن الزعيم الإسرائيلي الهارب من البقاء على قيد الحياة السياسية الآن بعد تحديد موعد محاكمته؟
فبعد أشهر من المساومة مع النخبة السياسية في البلاد من ناحية، والمشاورات مع دائرته الانتخابية اليمينية من ناحية أخرى، فشل نتنياهو في خلق الزخم الضروري الذي من شأنه أن يجعله محصنا من القضاء وتأمين موقعه على رأس هرم السياسة الإسرائيلية.
وعقب فشله أيضاً في تشكيل حكومة تكون نتاج للانتخابات التي أجريت في أبريل الماضي، ربط نتنياهو ببراعة مصيره كرئيس للوزراء بمصالح (إسرائيل) الداخلية و الخارجية.
و لا يزال هناك القليل من الأدلة على أن الانجازات والنجاحات الدبلوماسية والمالية لنتنياهو التي قد تسفر عن النتائج المرجوة لزيادة دعمه بين الإسرائيليين العاديين، خاصة وأن منافسه وخصمه اللدود بيني غانتس، الذي يرأس حزب (الأزرق و الأبيض)، يواصل زيادة سيطرته على اليمين لتقويض دعم نتنياهو ببطء في كل جانب من جوانب المجتمع الإسرائيلي .
مع اقتراب الانتخابات.. عشاء بـ 24 ألف دولار يضع نتنياهو أمام اتهام جديد بالفساد
و قد أظهرت الانتخابات التي أجريت في سبتمبر الماضي قدرة غانتس على التغلب على المزايا السياسية المختلفة لنتنياهو في نظر الناخبين الإسرائيليين .
فمن المقرر أن يعود الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في 2 مارس المقبل، أي بعد ثلاثة أيام من اليوم؛ للتصويت في الانتخابات العامة الثالثة التي تعقد خلال أقل من عام . و خلال تلك الفترة القصيرة من الزمن، تمكن غانتس من تغيير شخصيته مراراً؛ ليتصرف كسياسي يميني بارز و متطرف، مع الاستمرار في تقديم نفسه كأحد قادة أحزاب الوسط الإسرائيلي، بالإضافة إلى أنه أكد على أنه استعداد تام للتفاعل والتحالف مع اليسار الإسرائيلي من أجل بناء ائتلاف حكومي في المستقبل .
و مع العلم أن الخناق قد اشتد حول رقبة نتنياهو منذ الانتخابات الأولى في أبريل، ما دفعه إلى اللجوء لواشنطن لإطلاق خطة السلام الأمريكية أو ما يسمى بـ "صفقة القرن" .
ففي الواقع ، تم الكشف عن "صفقة القرن" الأمريكية قبل الموعد المحدد لتزويد الزعيم الإسرائيلي اليائس بشريان حياة أخير من شأنه أن يساعده على كسب معاركه المتعددة في ميدان السياسة الإسرائيلية، و لكن للأسف، بالنسبة لنتنياهو، لم تنجح الأمور كما كان يأمل و يخطط لها.
فقد كان نتنياهو يتوقع أن تستمر القصة على النحو التالي: تكشف إدارة دونالد ترامب عن الخطة التي من شأنها أن تعطي إسرائيل كل شيء و لا تمنح الفلسطينيين شيئا؛ وبطبيعة الحال، فإن نتنياهو سيحظى بالتقدير الكامل لأكبر إنجاز له في منصبه وسيتبع ذلك بإجراءات لضم جميع المستوطنات اليهودية غير القانونية في الضفة الغربية، بالإضافة إلى وادي الأردن بأكمله .
و لكن لسوء حظ نتنياهو، لم يحدث أي من ذلك؛ ففي تاريخ 4 فبراير، تراجع نتنياهو عن قراره السابق بضم جزء كبير من الضفة الغربية قبل الانتخابات المقررة، و بدلا من ذلك، صرح في حملة انتخابية أن هذا الضم مشروط بفوزه في الانتخابات المقبلة.
وفي حين أن العديد من وسائل الإعلام تقوم بترديد الشعارات كالببغاء دون دليل، على أن تأجيل الضم هو نتيجة مباشرة لطلب قدمته واشنطن، فمن المرجح أن يكون السبب الحقيقي مرتبط بالمشاكل القانونية والسياسية الداخلية التي يعاني منها نتنياهو .
إذ يدرك نتنياهو أن "صفقة القرن" و قرار ضم مستوطنات الضفة الغربية هما أمله الأخير في تحقيق فوز مريح في الانتخابات ومنحه الحصانة من التعرض للقضاء الإسرائيلي و لتجنب عقوبة السجن بسبب قضايا الفساد و استغلال السلطة و الثقة العامة .
و لكن ماذا لو ضم نتنياهو أجزاء من الضفة الغربية لكنه فشل في الفوز في الانتخابات؟ في هذا السيناريو، لن يكون للزعيم الإسرائيلي المحاصر مساحة أكبر للمناورة وسيكون معدوما من المزايا السياسية في المستقبل . وهذا يفسر التوقف المفاجئ في خطة الضم التي أعلن عنها نتنياهو، خاصة وأنه قال في تجمع انتخابي أخير، أن قرار الضم يعتبر مقايضة سياسية .
وقال في إشارة إلى ضم الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة: "عندما نفوز ، سنوسع السيادة على جميع المستوطنات اليهودية في مناطق يهودا و السامرة ".
و كمحاولة عاجزة و لتجنب ردود الفعل الغاضبة من قبل الدوائر اليمينية في البلاد، وخاصة المستوطنين اليهود المنظمين سياسيا، أعلن نتنياهو في تاريخ 20 فبراير أنه سيعيد إحياء خطة طويلة الأمد لبناء 3000 منزل جديد للمستوطنين اليهود غير الشرعيين في القدس الشرقية .
و قال لوكالة رويترز للأنباء: " اليوم ، وافقت على بناء 3000 منزل لليهود في جفعات هاماتوس، و من المتوقع أن يتم بناء 2000 منزل إضافي في مستوطنة هار حوما عما قريب أيضا " .
إن هذه التحركات مهمة بشكل خاص بالنسبة للإسرائيليين و لتنفيذ قرار الضم الذي روج له اليمين منذ فترة طويلة، لأن مثل هذا البناء سيعزل مدينة بيت لحم الفلسطينية بالكامل عن القدس الشرقية المحتلة، مما يؤدي إلى مقتل أي أمل في التواصل الجغرافي الفلسطيني في أي دولة مستقبلية .
و على الجانب الآخر ، كان خصوم نتنياهو في المعارضة و الحكومة و المحكمة العليا يشعرون بالقلق من المتمردين المؤيدين لنتنياهو. ففي حين أن غانتس يستجيب غالبا لتحركات نتنياهو الانتهازية إلى حد كبير من خلال رفع مستوى موقفه السياسي لمطابقة أو حتى تجاوز موقف خصمه، فإن دعم رئيس الوزراء في الكنيست دعم فاتر في أحسن الأحوال . و في الواقع ، في تاريخ 28 يناير ، أجبر نتنياهو على سحب طلبه للحصول على الحصانة، مع العلم أن الطلب لم يتلقى الدعم اللازم .
و في هذه الأثناء، تستمر الإجراءات القانونية المتعلقة بقضايا فساد نتنياهو بلا هوادة مما يقربه من السجن يوما بعد يوم .
فوفقا لوزارة العدل الإسرائيلية ، سيتعين على نتنياهو حضور محاكمته في محكمة القدس ، حتى بصفته رئيسا للوزراء و بغض النظر عما سيجري في انتخابات 2 مارس.
حيث سوف تستمع لجنة مؤلفة من ثلاثة قضاة إلى القضايا الموجهة ضده ، كما وسيتعين على نتنياهو أن يقسم وقته بين إدارة الشؤون الإسرائيلية و التصدي لاتهاماته بالفساد .
إن هذه الحالة التي تمر بها (إسرائيل) تعتبر أرضا مجهولة و وعرة للغاية ، فلم يحدث من قبل في تاريخ دولة الاحتلال منذ فترة أن واجهت النخبة السياسية الحاكمة مثل هذه المعضلات القانونية و السياسية .
و بما أن "إسرائيل" تواصل العمل دون دستور، و لأن هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها رئيس وزراء حاكم محاكمة بسبب تهم الفساد، فإن المحكمة العليا هي السلطة الوحيدة القادرة على تفسير و تطبيق قوانين البلاد من أجل المضي في الإجراءات القانونية ، ولكن حتى هذا هو مشكلة بحد ذاته .
كما و تحاول أيليت شاكيد ، وزيرة العدل السابقة المثيرة للجدل ، و التي غالبا ما تكون مبتذلة في الاعلام ، إخراج هذا الاحتمال عن مساره فعليا ، حيث حذرت قضاة المحكمة العليا في البلاد بشكل صريح من أن أي تدخل في العملية السياسية سيكون بمثابة انقلاب و انتهاكا للدستور.
فالآن ، يجد الإسرائيليون أنفسهم على أعتاب حقبة جديدة قاتمة و غير مفهومة لدى الكثير منهم، عصر يتم تعريفه بأنه انهيار للنظام القانوني و غرق لا ينتهي في الأزمة السياسية الطويلة وعدم الاستقرار الاجتماعي في البلاد .
النهضة نيوز - ترجمة خاصة