تبدو حبة لقاح الهندباء، عند تصويرها بالمجهر الإلكتروني الماسح، كأنها كرة صغيرة تغطيها الأشواك من جميع الجهات، في مشهد يشبه الألغام البحرية التي تظهر في الأفلام والأرشيفات العسكرية القديمة. لكن ما يوجد داخل هذه الكرة ليس متفجرات، بل الخلايا الجنسية الذكرية للنبات، أما الأشواك فلها وظائف بيولوجية مختلفة تماما.
ويظهر هذا الشكل لدى آلاف الأنواع النباتية، من دوار الشمس إلى الخطمية الوردية، وقد ظل لفترة طويلة لغزا أمام علماء النبات الذين حاولوا فهم أسباب وجود هذه البروزات على سطح حبوب اللقاح.
ماذا يرى العلماء تحت المجهر؟
أشواك حبوب اللقاح ( مصدر الصور: Likeness )
تغطي حبة اللقاح طبقة خارجية تسمى الجدار الخارجي، أو الإكسين. وتتكون هذه الطبقة أساسا من مادة السبوروبولينين، وهي مادة شديدة المقاومة، تضاهي في متانتها مادة الكيتين الموجودة في أجسام الحشرات، ويمكنها البقاء في التربة ملايين السنين من دون أن تتحلل بسهولة.
وتتيح هذه المتانة لعلماء حبوب اللقاح، المعروفين باسم علماء علم حبوب اللقاح، دراسة التاريخ المناخي للأرض من خلال تحليل الحبوب المحفوظة في الرواسب القديمة.
أما الأشواك الظاهرة على السطح، فهي بروزات من طبقة الإكسين نفسها. وتختلف أشكالها بين النباتات؛ إذ تكون طويلة ومتباعدة لدى بعض الأنواع، وقصيرة ومتقاربة لدى أنواع أخرى.
ويطلق علماء النبات على هذا النمط من البنية السطحية اسم «الشكل الشوكي»، المشتق من الكلمة اللاتينية echinus التي تعني القنفذ. وقد شاع المصطلح في الأدبيات العلمية خلال القرن التاسع عشر، عندما بدأ الباحثون برصد هذه الأشواك باستخدام المجاهر الضوئية.
الأشواك تعمل مثل شريط لاصق
في عام 2020، نشر فريق من الباحثين في جامعة ميزوري دراسة في مجلة American Journal of Botany، قارنوا فيها بين حبوب لقاح نوع بري من الهندباء ينمو في جبال روكي، ونوع شائع ينمو في المروج والحدائق.
يتكاثر النوع البري جنسيا ويعتمد على النحل الطنان في التلقيح، بينما يستطيع النوع الشائع المعروف بالتكاثر اللاتزاوجي إنتاج البذور من دون حدوث الإخصاب بالطريقة المعتادة.
وأظهرت النتائج أن المسافات بين أشواك حبوب لقاح النوع البري موزعة بطريقة تساعدها على الالتصاق بالحشرات، إذ كانت هذه الحبوب تعلق بالنحل الطنان بوتيرة أعلى بصورة ملحوظة.
أما في النوع الشائع، فكانت الأشواك أكثر تقاربا، ما جعل تعلق الحبوب بشعيرات الحشرات أكثر صعوبة.
ووصف الباحث الرئيسي في الدراسة، أوستن لين، آلية العمل ببساطة، موضحا أن الأشواك تؤدي وظيفة تشبه الشريط اللاصق. فعندما تجمع النحلة حبوب اللقاح في سلال صغيرة على أرجلها، تبقى بعض الحبوب الشوكية عالقة بشعيرات جسمها، ثم تنتقل معها إلى نبات آخر.
وهكذا تساعد الأشواك على نقل حبوب اللقاح بين الأزهار، وهي خطوة أساسية في عملية التلقيح لدى كثير من النباتات.
هل تساعد الكهرباء الساكنة على التلقيح؟
لا تقتصر وظيفة الأشواك على التصاق حبوب اللقاح بأجسام الحشرات، بل قد تساعدها أيضا على الاستقرار فوق الميسم، وهو الجزء الذي يستقبل حبوب اللقاح في الجهاز التناسلي الأنثوي للزهرة.
وفي عام 2018، أنشأ فريق من علماء الفيزياء والأحياء في المؤسسة الأرجنتينية الوطنية للبحث العلمي والتقني (CONICET) نموذجا حاسوبيا لحبة لقاح، وحسبوا توزيع المجال الكهربائي حولها. ونُشرت النتائج في مجلة Biological Journal of the Linnean Society.
وأظهرت الحسابات أن البروزات الموجودة على سطح حبة اللقاح تركز المجال الكهربائي عند أطرافها، وأن هذا التأثير يزداد عندما يقل عدد البروزات السطحية.
وبحسب النموذج، يمكن أن تنجذب حبوب اللقاح ذات الأشواك الواضحة، وهي شائعة لدى مجموعات نباتية تطورت في مراحل أحدث نسبيا، إلى ميسم الزهرة بدرجة أكبر من حبوب اللقاح ذات الأشواك الدقيقة جدا، التي تظهر لدى مجموعات أقدم تطوريا.
لكن هذا التفسير لا يزال بحاجة إلى اختبارات ميدانية تؤكد مدى تأثير الكهرباء الساكنة في الظروف الطبيعية. ويرى الباحثون أن هذه الظاهرة قد تكون أحد العوامل التي ساعدت على انتشار البنية الشوكية خلال تطور النباتات من الفصيلة النجمية، التي تضم الهندباء ودوار الشمس.
هل تحمي الأشواك حبوب اللقاح من الحشرات التي تأكلها؟
يبدو منطقيا أن تكون الأشواك وسيلة دفاعية تحمي حبوب اللقاح من الحشرات التي تتغذى عليها، إذ قد تخدش أجزاء الفم أو تجعل جمع الحبوب أكثر صعوبة.
لكن لين وزملاءه اختبروا هذه الفرضية، وخلصوا إلى أن الأدلة التي جمعوها لا تؤيدها.
فإذا كانت الأشواك تحمي حبوب اللقاح من الأكل، فمن المتوقع أن تختلف البنية السطحية للحبوب التي تلتقطها الحشرات عن تلك التي تبتلعها، نتيجة تأثير الأشواك في عملية التغذية.
وقارن الباحثون بين حبوب اللقاح الموجودة في سلال جمع اللقاح لدى النحل الطنان، وتلك التي عُثر عليها في فضلات الذباب، وبين الحبوب الموجودة على مياسم الأزهار. ولم يجدوا فروقا واضحة في خصائص الأشواك.
وبذلك لم تؤكد النتائج فرضية أن الأشواك تحمي حبوب اللقاح من الاستهلاك.
ومع ذلك، تشير ملاحظات سلوك النحل إلى أن بعض الأنواع تتجنب جمع حبوب اللقاح الشوكية. ومن الأمثلة على ذلك نبات الخطمية الوردية، المعروف علميا باسم Alcea rosea، الذي تغطي حبوب لقاحه أشواك واضحة.
وقد لاحظ الباحثون أن النحل الطنان يتجنب هذه الحبوب، لكنه يبدأ بجمعها عندما تُثنى أشواكها صناعيا لتصبح أقل إعاقة.
ويشير ذلك إلى أن الأشواك قد تجعل جمع كميات كبيرة من حبوب اللقاح أمرا غير مريح للحشرات، لكنها لا تمنعها بالضرورة من أكلها. وفي المقابل، تساعد هذه البنية الحبوب على الالتصاق بالحشرات التي تنقلها بين الأزهار.
ماذا تكشف أشواك حبوب اللقاح عن تطور النباتات؟
يرى الباحثون أن الشكل الشوكي لحبوب اللقاح نتاج ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي، الذي عمل في اتجاهين متعارضين.
فمن جهة، تستفيد النباتات عندما تلتصق حبوب لقاحها بقوة بأجسام الحشرات الملقحة، لأن ذلك يزيد فرص وصولها إلى أزهار أخرى. ومن جهة أخرى، قد تتضرر إذا استهلكت الحشرات كميات كبيرة من هذه الحبوب.
لذلك، يمكن النظر إلى شكل الأشواك وعددها وتوزيعها باعتبارها نتيجة توازن تطوري بين تعزيز انتقال حبوب اللقاح والحد من فقدانها.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لدى علماء النباتات القديمة، إذ تساعد البنية السطحية لحبوب اللقاح على تحديد أنواع النباتات، حتى عند العثور على كميات ضئيلة منها داخل صخور ورواسب يعود عمرها إلى عشرات ملايين السنين.
وقد قامت مؤسسة سميثسونيان برقمنة بيانات وصور حبوب لقاح لأكثر من 18 ألف نوع من النباتات، بهدف تسهيل عمليات المقارنة والتعرف على الأنواع.
أما بالنسبة إلى علماء البيئة، فقد توفر خصائص الأشواك مؤشرات على أنواع الملقحات التي تعتمد عليها النباتات في نقل حبوب لقاحها.
وبالنسبة إلى غير المتخصصين، تكشف هذه الصور المجهرية جانبا مدهشا من عالم النباتات، وتوضح أن البنى الصغيرة التي تبدو بسيطة للعين المجردة قد تخفي وراءها تفاصيل دقيقة تشكلت عبر ملايين السنين من التطور.