محمد سامي الكيال: فكرة تحرير سوريا هراء دعائي وبنية السلطة الحالية تقود إلى الفوضى

باحث سوري يعارض مصطلح التحرير في سوريا ويكشف تفاصيل الوضع داخليا وخارجيا باحث سوري يعارض مصطلح التحرير في سوريا ويكشف تفاصيل الوضع داخليا وخارجيا

اعتبر الكاتب والباحث السوري محمد سامي الكيال، أن فكرة تحرير سوريا هي هراء دعائي، مسلطا الضوء على بنية السلطة الحاكمة في دمشق، ومقدما قراءته لحقيقة الأوضاع الداخلية والخارجية في سوريا.

حيث حذر الكيال في مقابلة على منصة بصراحة مع الصحافي كنان اليوسف، من أن ما تشهده سوريا اليوم لا يمكن توصيفه كمرحلة تحرير أو انتقال ديمقراطي، بل هو انتقال من استبداد مركزي إلى نظام ميليشياوي متعدد الرؤوس يفتقر إلى أبسط مقومات الدولة والحقوق والقانون.

حقيقة التحرير في سوريا

ورفض الكيال توصيف ما جرى في سوريا على أنه تحرير، معتبرا أن فكرة قيام هيئة تحرير الشام بتحرير الشعب السوري مجرد هراء دعائي، فسوريا كانت في حرب أهليه شديدة التعقيد دخلت فيها كثير من الأطراف التي ارتكبت الجرائم، ومنها العمليات الإرهابية التي ارتكبها الجولاني وجبهة النصرة ليس فقط بحق الأقليات بل أيضا ضد الجيش الحر وضد فئات كثيرة من الطائفة السنية فعمليا جبهة النصرة كانت بأدبياتها طرفا معاديا للثورة السورية وارتكبت جرائم بحق مختلف الأطراف، ثم في لحظة إقليمية ودولية معينة بعد حرب غزة وصلت إلى دمشق، لكن هذا لا يعني أنها حررت ولا يعني أيضا أنها تبرأت من ماضيها الإجرامي ولا يمكن محاسبتها.

ودعا الكيال إلى الاعتراف بجميع الضحايا، بمن فيهم الضحايا جراء أفعال جبهة النصرة ضد مختلف الطوائف وفصائل المعارضة نفسها، مؤكدا أن تجاهل هذه الجرائم يعني غياب العدالة، وطالب بتوصيف ما جرى بوصفه حربا أهلية وانهيارا لبنية الدولة، لا صراعا مبسطا بين خير وشر.

واعتبر الكيال أن التحولات التي طرأت على مواقف قطاع واسع من النخب السورية لم تكن نتيجة مراجعات فكرية حقيقية، بل نتاج ما وصفه بالواقعية السياسية الانتهازية، ورأى أن تقديم أحمد الشرع نفسه كخيار وحيد لملء الفراغ، بدعم إقليمي تركي خليجي، دفع بعض المثقفين إلى تبرير ماضيه العنيف تحت شعار الضرورة، محذرا من تحول هؤلاء إلى مستثمرين في السياق لا أصحاب مبادئ.

خطر التقسيم في سوريا

ورأى الكيال بأن الخوف من تقسيم سوريا لا معنى له، لأن التقسيم واقع على الأرض ليس فقط في مناطق الاحتكاك العرقي والطائفي في السويداء أو الساحل أو في الشمال الشرقي، بل حتى الأراضي التي من المفترض أنها تتبع لسلطة الجولاني فكل ميليشيا لديها إمارة حرب تابعة لها وتفرض قانونها ونمطها في منطقتها، إضافة لأكبر انقسام في الأراضي السورية وهو ما يسمى الجيش الوطني التابع بشكل مباشر إلى تركيا والمسيطر على مناطق من حلب حتى حماه، وهناك أيضا إدلب ودرعا اللتين لا تسيطر عليهما قوات الجولاني بشكل كامل لوجود ميليشيات تتبع للكثير من الأطراف، معتبرا أن من يطالب اليوم بالفيدرالية أو بأي شيء يطالب عمليا بتوحيد سوريا المقسمة.

وأبدى استغرابه من رفض السلطة الحالية موضوع اللامركزية في سوريا رغم أنها موجودة فعليا وهي أمر واقع وحقيقي، لكون أسلوب هذه السلطة الأساسي في العمل هو اللامركزية باعتبارهم ميليشيات، مستشهدا بالمعارك التي خاضتها السلطة ولجأت فيها إلى الطريقة اللامركزية كموضوع الفزعة العشائرية والنفير العام.

وأكد الكيال على أن السلطة الحالية عاجزة عمليا عن بناء السلطة المركزية لأنها هذا يحتاج لتغيير بنيوي فيها وهي غير راغبة فيه، فهي لا تستطيع مثلا تحويل الجيش الوطني المرتبط بالمخابرات التركية إلى جزء فعلي من جيش سوري واحد ولا تستطيع أن تحله وقابلة بهذا الأمر، فبنية هذه السلطة لا توصل إلى المركزية بل إلى الفوضى ومن يطالبون باللامركزية الموسعة هم عمليا يطالبون بتنظيم هذه الفوضى وليس بزيادتها.

واقع الأقليات في سوريا ودور السلطة في الانتهاكات

وبشأن الانتهاكات بحق الأقليات في سوريا، اعتبر بأن الخطر قائم بالتأكيد وهو واقع فعليا عبر وقائع ترصد على الأرض، إضافة إلى التحريض الطائفي الذي لم يتوقف على الإطلاق وهذا نابع من الإيديوايوجيا المتطرفة لأطراف أساسية في السلطة، مشيرا إلى أن محاربة الأقليات تم التتظير لها منذ زمن طويل في الإسلام السياسي السوري وهناك حوادث وعمليات إرهابية شهدناها طيلة العقود الماضية إضافة إلى ممارسات هذه التنظيمات خلال الحرب السورية.

وأشار إلى أن ممارسات السلطة تدل على أنها المنظم الأساسي لمجازر الساحل والسويداء مهما حاولت التنصل، فهي ذات بنية قائمة على العدوانية التي تحاول تصريفها بالاعتداء على الأقليات عبر الإبادة والاعتداء الصامت أو الغزوات الكبرى كما حدث في الساحل والسويداء، ونرى اليوم الدعوات لاقتحام شمال شرق سوريا، فالخطر على الأقليات قائم بفعل بنية السلطة لا لكونه أمر عارض.

ووصف الكيال بنية الحكم الراهنة بأنها دولة ميليشياوية تقوم على إقطاعيات حرب، حيث تسيطر فصائل مسلحة على المعابر والموارد وتفرض الإتاوات، فيما تتحول الدولة إلى واجهة شكلية، كما انتقد تسليم إدارة الموارد المالية لشخصيات من عائلة الشرع، معتبرا ذلك تكريسا لنمط حكم العائلة بصيغة جديدة.

العلاقة بين سلطة دمشق وتنظيم داعش

وتحدث الكيال في قراءة مثيرة للجدل، عن وجود علاقة وظيفية غير مباشرة بين السلطة الحالية وعودة تنظيم داعش، مبينا أن أول الاجراءات اللي اتخذتها سلطة الجولاني بعد وصولها إلى الحكم في دمشق هو اعتقال آلاف الجنود السوريين الذين كانوا موجودين في البادية على الجبهات مع داعش دون توجيه أي تهمة لهم حتى الآن، وعمدت هذه السلطة إلى تفكيك جيش الأسد واستبداله بمجموعه كبيرة من الميليشيات التي كان لديها علاقات مع داعش مما أعطى فرصة لإعاده ظهور التنظيم بشكل قوي.

وأوضح بأن بنية السلطة الحالية هي التي تساعد على عودة ظهور داعش، واتضح ذلك خلال رؤية داعش في المجازر التي ارتكبتها السلطة في السويداء حينما ظهر بوضوح بروز الرموز والأعلام والعناصر الداعشية، مؤكدا بأن السلطة تستفيد من حضور داعش عبر استثماره سياسيا وإعلاميا لتقديم نفسها للغرب بوصفها الطرف القادر على ضبط التطرف، والمطالبة بالدعم الدولي.

الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا

وأشار الكيال إلى تصاعد التماس بين المصالح التركية والإسرائيلية على الأرض السورية، لافتا إلى أن أنقرة تضغط على دمشق لعدم تقديم تنازلات أمنية كبرى لإسرائيل، فيما تتعامل تل أبيب مع السلطة الحالية بوصفها قيادة ميليشياوية غير موثوقة، وتفضل الاعتماد على السيطرة المباشرة بدل اتفاقيات أمنية هشة.

ورأى بأن الأمريكيين يحاولون الوصول إلى اتفاق يرضي الأطراف الأساسيه الموجودة في المنطقة تركيا وإسرائيل والسعودية فهم يحاولون دفع سلطة الجولاني وإسرائيل للوصول لنوع من التوافق الأمني في الجنوب السوري ولكن ذلك يصطدم بكثير من المعوقات، مبينا بأن إسرائيل لا تحتاج عمليا إلى اتفاق أمني وغير مهتمة به ولا تثق بالطرف الآخر ولا ترى أنه يستطيع أن يقدم لها شيئا، لكنها مضطرة للتجاوب مع الطلبات الأمريكية لذلك تقوم أحيانا بإيحاءات إيجابية، وعلى الرغم من إمكانية الإعلان عن اتفاق أمني بين سلطة الجولاني وإسرائيل، لكن ضمان هذا الاتفاق قائم عمليا على الوجود الإسرائيلي في الجنوب والقوة الإسرائيليه وتحفزها، ولذلك لن يغير شيئا من الأوضاع على الأرض وسيبقى الجنوب منطقة منزوعة السلاح وتحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة.

وبشأن موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه توم باراك بعد حادثة تدمر، واتهامهما لداعش دون التطرق للرواية الرسمية التي تؤكد أن عنصر من الأمن السوري هو منفذ الهجوم، أكد الكيال بأن هذا الموقف طبيعي لكون ما حدث محرج لهما أكثر مما هو محرج للجولاني، لأنهما إن لم يدافعوا عن سياساتهم تجاه هذه السلطة سيظهرون كأنهم فاشلون، فما قاموا به هو الدفاع عن خياراتهم وتقديم هذه الرواية للداخل الأمريكي.

ولفت الكيال إلى أن نتائج عملية تدمر على الأرض، ستظهر بمزيد من ضعف ثقة العسكريين والاستخباراتيين الأمريكيين بهذه السلطة، وإعادة تأهيل قسد باعتبارها الحليف الأساسي الموثوق بالحرب ضد الإرهاب، محذرا من أن أي احتضان سياسي للجولاني قد يصطدم بالوقائع الميدانية، خاصة بعد أحداث تدمر التي كشفت هشاشة المنظومة الأمنية للسلطة الحالية.