في السيادة: فاقد الشيء لا يعطيه! في السيادة: فاقد الشيء لا يعطيه!

يصف الفيلسوف الفرنسيّ جان بودان السّيادة بأنّها "السّمة المميِّزة لصاحب السّيادة، إذ لا يمكن بأيّ حال أن يكون خاضعاً لأوامر غيره، لأنّه هو الذي يسنّ القوانين للرّعيّة، ويلغي القوانين التي سبق أن سُنّت، ويعدّل القوانين التي أصبحت متقادمة".

(١) ويصف الفيلسوف الهولنديّ هوغو غروتيوس "الاستقلال" بأنّه الحالة التي تكون فيها "السُّلطة سياديّة عندما لا تخضع أفعالها لرقابة أو تحكّم سلطة أُخرى، بحيث لا يمكن إبطالها بفعل إرادة بشريّة أُخرى".

(٢) وأمضى جوزيف عون هذا التّعريف بنفسه منذ أُسبوع إذ قال: "سيادة لبنان تفترض بالدّرجة الأُولى استقلاليّة قرار السُّلطة السّياسيّة".

(٣) ومن المعلوم أنّه منذ بداية العهد الحاليّ في لبنان، ادّعت السُّلطة بأنّها تريد تحقيق السّيادة وحفظ الاستقلال الوطنيّ. ولم تُخفِ اعتمادها في ذلك على النّماذج الخارجيّة، كيف والغالب على أدائها منذ وصولها إلى الحكم الاصطفاف إلى جانب القوى العظمى ولو على حساب المبادئ ومصلحة البلد؟ وهذا ما يستوقفنا، لأنّه حتى من هذه الجهة، هناك إشكاليّة تطرح نفسها.

عندما قدّم جو كينت استقالته من منصبه كمدير المركز الوطنيّ الأمريكيّ لمكافحة الإرهاب احتجاجاً على سياسة إدارة ترامب تجاه الحرب مع إيران، ذكر في رسالة استقالته بأنّ إيران لم تكن تشكّل تهديداً وشيكاً للولايات المتّحدة الأمريكيّة، كما اعتبر أنّ الولايات المتّحدة دخلت الحرب بسبب ضغوط من "إسرائيل" واللّوبي المؤيّد لها في واشنطن. وهذه كانت بطبيعة الحال من الفضائح الكبيرة في السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة.

لكن في حين أنّ كينت هو أعلى مسؤول في إدارة ترامب يستقيل علناً بسبب هذه القضيّة، فإنّه لم ينفرد في ذلك، بل المتابع للشّؤون الأمريكيّة يعرف جيّداً أنّه يوجد نقاش جدِّيٌّ في أمريكا اليوم وعلى أعلى مستويات الحكم حول ما إذا كانت الولايات المتّحدة سيّدة قرارها فعلاً. بل من الصّحافيّين والاعلاميّين والمحلّلين البارزين من يرى بأنّ لدى اللّوبي الصّهيونيّ من التّأثير على السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة ما يهدّد مصالح الأمريكيّين أنفسهم ويهدّد استقلال الولايات المتّحدة.

أمّا في إيران، فالمسألة مختلفة تماماً، إذ لا يدّعي أحد بأنّها تابعة في شؤونها وتوجُّهاتها وقراراتها السّياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة إلى دولة خارجيّة مثلاً. بل يعترف الصّديق والعدوّ بالعكس، كلٌّ باللُّغة والأُسلوب المناسب لموقفه من الجمهوريّة الإسلاميّة. فحتى أعداء إيران لا ينكرون سيادتها واستقلالها، إنما يدّعون بأنّها "دولة مارقة" ومتمرّدة مثلاً، ولا معنى لذلك إلّا أنّها مستقلّة فعلاً وغير خاضعة للهيمنة الأمريكيّة. لكن لا يدّعي أحد بأنّ هناك دولة أو دول أجنبيّة تتحكّم بالهويّة الوطنيّة والمسار الحضاريّ والسّياسة الخارجيّة لإيران.

وهنا نقول من باب إثارة المنطق، ليس أكثر، أنّه في الأصل لا يمكن للبنان أن يحقّق السّيادة من خلال التّبعيّة، وهذا واضح من خلال ما انطلقنا منه في مقدّمة المقالة. لكن لمّا كانت السُّلطة الحاليّة مصرّة على استمرار حالة التّبعيّة وإقرار نمط مقيَّد وادّعائيّ من السّيادة والاستقلال الوطنيّ فلتسعى لاختيار نموذج يملك السّيادة فعلاً، وإلّا ففي مثل هذه القضايا تصحّ مقولة "فاقد الشّيء لا يعطيه".

(١) انظر: "Commonwealth"، ص٢٨

(٢) انظر: "On the Law of War and Peace"، ص٢٧

(٣) جريدة "الشروق"، بتاريخ: ٧ تموز ٢٠٢٦

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"