كشف فريق دولي من علماء الأحياء عن الآلية التي يستخدمها طفيلي شريطي للتلاعب بالنمل ، إذ لا يكتفي بإطالة عمر النمل المصاب إلى ما يصل إلى 10 أضعاف عمره الطبيعي، بل يجعله يحظى بمعاملة تشبه معاملة الملكات داخل المستعمرة، في خطوة تخدم الهدف النهائي للطفيلي وهو الوصول إلى أمعاء طائر نقار الخشب لإكمال دورة حياته.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة BMC Genomics.
كيف تبدأ العدوى؟
طفيلي شريطي يتلاعب بالنمل ( مصدر الصورة: Freepik )
تركز الدراسة على نوع من النمل يعرف باسم Temnothorax nylanderi.
وتبدأ العدوى عندما تتغذى يرقات هذا النمل على فضلات نقار الخشب التي تحتوي على بيض الدودة الشريطية Anomotaenia brevis، لتدخل اليرقات في دورة معقدة من التغيرات البيولوجية والسلوكية.
تغيرات واضحة في الشكل والرائحة
بعد الإصابة بالطفيلي، يطرأ على النمل عدد من التغيرات الملحوظة، منها:
يتحول لون الجسم من البني الداكن إلى الأصفر الفاتح.
يصبح حجمه أصغر من بقية أفراد المستعمرة.
تتغير رائحته الكيميائية.
يبدأ بإفراز فرمونات تشبه تلك التي تطلقها الملكة.
وبسبب هذه الإشارات الكيميائية، تتعامل العاملات مع النمل المصاب كما لو أنه ملكة حقيقية.
معاملة ملكية داخل المستعمرة
يوفر النمل العامل للمصابين بالطفيلي كل احتياجاتهم، إذ يقوم بـ:
إحضار الطعام إليهم.
حملهم داخل العش.
تنظيف أجسامهم باستمرار.
ويحدث ذلك على حساب بقية أفراد المستعمرة الذين يتحملون عبئا أكبر في أداء الأعمال اليومية.
في المقابل، يتخلى النمل المصاب عن جميع مهامه تقريبا، ونادرا ما يغادر العش، ويقضي حياته الطويلة معتمدا بالكامل على رعاية الآخرين.
الهدف الحقيقي للطفيلي
رغم أن الطفيلي يمنح النمل عمرا أطول وحياة مريحة، فإن ذلك ليس لمصلحة النمل نفسه.
فعندما يصل نقار الخشب إلى العش، تهرب العاملات السليمة بسرعة، بينما يبقى النمل المصاب عاجزا عن الفرار، ما يجعله فريسة سهلة للطائر.
وبمجرد ابتلاع النمل، تصل الدودة الشريطية إلى المكان الذي تحتاج إليه لإكمال دورة حياتها، وهو أمعاء نقار الخشب، حيث تنمو إلى ديدان بالغة وتتزاوج وتنتج البيوض.
بعد ذلك تخرج البيوض مع فضلات الطائر، لتلتقطها يرقات نمل جديدة وتبدأ الدورة من جديد.
كيف يسيطر الطفيلي على النمل؟
لفهم هذه الظاهرة، أجرى باحثون من جامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينتس بألمانيا وجامعة تشجيانغ في الصين تحليلا للتعبير الجيني لدى النمل المصاب وغير المصاب، إضافة إلى ملكات المستعمرة.
وركزت الدراسة على نوعين من الأنسجة:
الدماغ.
الجسم الدهني، وهو نسيج يؤدي دورا أساسيا في عمليات الأيض والمناعة لدى الحشرات.
النمل المصاب يشبه الملكة وراثيا
أظهرت النتائج أن أنماط التعبير الجيني في الجسم الدهني للنمل المصاب تشبه بدرجة كبيرة تلك الموجودة لدى الملكات، أكثر من تشابهها مع العاملات السليمات.
وقالت الباحثة الرئيسية سوزانه فويتسيك، المتخصصة في علم البيئة السلوكية بجامعة يوهانس غوتنبرغ:
"أظهرت تحليلاتنا الجينية أن العدوى لا تجعل النمل مريضا فقط، بل تعيد تشكيل وظائفه الحيوية بطريقة دقيقة للغاية. وعلى المستوى الجزيئي، اكتسبت العاملات المصابات خصائص تشبه الملكات جزئيا."
وأضافت الدراسة أن هذه التغيرات شملت:
عمليات الأيض.
الجهاز المناعي.
الاستجابة للإجهاد.
آليات الشيخوخة.
وهو ما يفسر العمر الطويل للنمل المصاب، إضافة إلى الطريقة التي يعامله بها أفراد المستعمرة.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
عندما فحص الباحثون أدمغة النمل، اكتشفوا أن أوجه التشابه مع الملكات اختفت.
فقد أظهرت أدمغة النمل المصاب انخفاضا في نشاط جزيئات الإشارة والمستقبلات العصبية، وهو ما قد يفسر فقدانه الدافع إلى العمل، رغم أن النمل يعد من أكثر الحشرات نشاطا وتنظيما.
واللافت أن الباحثين لم يجدوا دليلا على أن هذه الجزيئات مصدرها الطفيلي نفسه.
الطفيلي لا يسيطر مباشرة على الدماغ
تشير النتائج إلى أن الدودة الشريطية لا تتحكم في دماغ النمل عبر إنتاج جزيئاتها الخاصة، كما كان يعتقد سابقا.
وقالت الباحثة جوليا بلازي، المؤلفة الأولى للدراسة:
"تشير البيانات إلى أن الطفيلي يؤثر في النمل بصورة غير مباشرة، من خلال التدخل في شبكات التنظيم الخاصة بالعائل، والتي تتحكم في عمليات الأيض والمناعة والشيخوخة والسلوك وغيرها من الوظائف الحيوية."
ليست الحالة الوحيدة في عالم الطفيليات
أشار الباحثون إلى أن هذه الدودة الشريطية ليست الطفيلي الوحيد الذي يسيطر على النمل.
ففطر كورديسيبس الشهير يستطيع السيطرة على الجهاز العصبي للنمل وتحويله إلى ما يشبه "الزومبي"، ثم يجبره على تسلق النباتات والتشبث بأسفل الأوراق قبل أن ينمو جسم الفطر من رأسه وينفجر ناشرا جراثيمه لإصابة ضحايا جدد.
ورغم غرابة الحالتين، يرى الباحثون أن النمل قد يفضل، إذا أتيحت له فرصة الاختيار، الإصابة بالدودة الشريطية على الوقوع ضحية لفطر كورديسيبس.