يشبه العثور على جسم مضاد فعال بين ملايين أو مليارات الأجسام المضادة المحتملة البحث عن إبرة في كومة قش، لكن نموذجا جديدا للذكاء الاصطناعي طوره باحثون من جامعة بوسطن يمكن أن يساعد على تضييق نطاق البحث بشكل كبير.
ويتركز النموذج على أهم أجزاء الجسم المضاد، وهي المناطق المسؤولة مباشرة عن التعرف على مسببات الأمراض والخلايا المستهدفة.
ويعد تطوير دواء فعال يعتمد على الأجسام المضادة عملية معقدة، إذ يمكن للعلماء البدء بملايين أو حتى مليارات المرشحين، لكن نسبة صغيرة جدا منهم تكون مناسبة لتطوير دواء فعال.
البحث عن الجسم المضاد المناسب ( مصدر الصورة: Unsplash )
وقد ظل تحديد هذه الأجسام المضادة النادرة من أبرز التحديات التي تواجه الباحثين في هذا المجال.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Communications AI & Computing.
التركيز على مناطق التعرف
على عكس نماذج البروتينات التقليدية، يركز النموذج الجديد على ما يعرف باسم حلقات CDR، وهي ست مناطق صغيرة جدا في الجسم المضاد تشارك بشكل مباشر في التعرف على الفيروسات والبكتيريا والخلايا السرطانية.
ودرب الباحثون النموذج باستخدام أكثر من 1.6 مليون زوج من الأجسام المضادة، مع إخفاء ما يصل إلى نصف الأحماض الأمينية الموجودة تحديدا في هذه المناطق الأساسية.
وساعدت هذه الطريقة نموذج الذكاء الاصطناعي على تعلم الأنماط المهمة في بنية الأجسام المضادة، مع التركيز على المناطق التي تؤدي الدور الأساسي في التعرف على الهدف.
لماذا تعد حلقات CDR مهمة؟
شبه جون ميساسي، الأستاذ المساعد في كلية الطب بجامعة بوسطن، الجسم المضاد بمفك البراغي.
وأوضح أن طول المفك أو قصره ليس العامل الأهم، وإنما شكل طرفه هو الذي يحدد نوع البرغي الذي يستطيع التعامل معه.
وبالمثل، تشبه حلقات CDR طرف المفك، لأنها تساعد على تحديد الهدف الذي يستطيع الجسم المضاد التعرف عليه والارتباط به.
وتستهدف هذه المناطق جزيئات أو خلايا محددة، بما في ذلك أجزاء من الفيروسات والبكتيريا والخلايا السرطانية.
دقة أعلى في توقع قوة الارتباط
أظهرت نتائج الاختبارات أن النموذج الجديد، الذي يحتوي على 600 مليون معامل، تفوق على نماذج أكبر حجما.
وتمكن النموذج من تحسين دقة التنبؤ بقوة ارتباط الأجسام المضادة بأهدافها بنسبة 27% عند اختباره على مجموعات بيانات تضم نحو 90 ألف نوع من الأجسام المضادة.
واللافت أن النموذج حقق هذه النتائج مع احتياجه إلى قدر أقل بكثير من القدرة الحاسوبية مقارنة بالنماذج الأكبر.
وهذا يعني أن التقنية يمكن أن تساعد الباحثين على الانتقال من ملايين الاحتمالات إلى بضع مئات فقط من المرشحين الأكثر وعدا، ثم إخضاع هذه المرشحات للاختبارات المختبرية.
تسريع تطوير الأدوية
يمكن أن يكون تقليل عدد المرشحين خطوة مهمة في تسريع عملية اكتشاف الأدوية القائمة على الأجسام المضادة، إذ يتطلب اختبار ملايين الخيارات في المختبر وقتا وموارد كبيرة.
أما استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي لتحديد المرشحين الأكثر احتمالا للنجاح، فيمكن أن يقلل عدد التجارب المطلوبة ويساعد العلماء على التركيز على الأجسام المضادة التي تتمتع بأفضل الخصائص المتوقعة.
أهمية محتملة أثناء تفشي الأمراض
قد تكون هذه التقنية مفيدة بشكل خاص عند ظهور تفش جديد لأحد الأمراض المعدية.
فبدلا من البدء من عدد هائل من الاحتمالات، يمكن استخدام النموذج لتحديد الأجسام المضادة الأكثر قدرة على التعرف على العامل الممرض، ثم تطويرها أو تعديلها لتتناسب مع التغيرات التي تطرأ على الفيروسات.
وبذلك، قد تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي المتخصصة في تقليل الوقت اللازم للعثور على الأجسام المضادة الواعدة، وتسريع الأبحاث الرامية إلى تطوير علاجات جديدة للأمراض المعدية والسرطان وغيرها من الحالات التي يمكن استهدافها باستخدام الأجسام المضادة.