اكتشف علماء آثار إيطاليون من جامعة روما لا سابينزا، بقيادة فرانشيسكا رومانا ستاسولا، أثناء أعمال التنقيب في كنيسة القيامة بمدينة القدس، بقايا مشهد جنائزي قديم يضم مقابر وحديقة وموقعا كان في الأصل محجرا.
وبحسب دراسة نشرت في مجلة Liber Annuus، فإن مجموعة من المكتشفات تتوافق مع عدد من التفاصيل الواردة في الروايات الإنجيلية عن المكان الذي دفن فيه يسوع المسيح .
لكن الباحثين يؤكدون أن الاكتشاف لا يمثل دليلا مباشرا على أن المسيح دفن بالفعل في هذه المقبرة، إذ لم يعثر علماء الآثار على أي رفات بشرية داخل القبر المكتشف.
حفريات استمرت 3 سنوات

اكتشاف أثري تحت كنيسة القيامة ( مصدر الصور: جامعة روما لا سابينزا )
بدأت أعمال التنقيب قبل نحو ثلاثة أعوام، في إطار مشروع لترميم أرضية كنيسة القيامة.
وخلال المرحلة الأخيرة من المشروع في عام 2025، اكتشف الباحثون أسفل مبنى الكنيسة محجرا مهجورا، إضافة إلى طبقات من التربة ربما استخدمت في زراعة النباتات، ومقابر منحوتة في الصخر، وبقايا حديقة قديمة.
وأثارت هذه المجموعة من الاكتشافات اهتمام الباحثين بسبب التشابه بين طبيعة الموقع والوصف الوارد في إنجيل يوحنا لمكان دفن يسوع.
ماذا يقول إنجيل يوحنا؟
يرد في إنجيل يوحنا وصف للمكان يشير إلى وجود حديقة بالقرب من موضع صلب يسوع، وإلى وجود قبر جديد داخل الحديقة لم يدفن فيه أحد من قبل.
ويعتقد الباحثون أن وجود بقايا حديقة ومقابر في الموقع المكتشف يمثل أحد أوجه التشابه اللافتة بين الأدلة الأثرية والوصف الوارد في النص الإنجيلي.
مع ذلك، فإن هذا التشابه وحده لا يكفي لإثبات هوية الشخص الذي دفن في القبر.
محجر في موقع الصلب
تشير الدراسة إلى أن إنجيل يوحنا يذكر أن عملية الصلب وقعت بالقرب من القدس، بينما تشير رسالة العبرانيين إلى أن يسوع صلب خارج أبواب المدينة.
وبحسب المعطيات الأثرية، كان يوجد محجر في هذه المنطقة من القدس خلال الفترة التي عاش فيها المسيح.
وعثر الباحثون على أجزاء من المحجر يصل عمق بعضها إلى نحو 6 أمتار.
ويرجح العلماء أن المحجر توقف عن العمل في مرحلة لاحقة، ثم جرى ملء بعض أجزائه بالتربة. وقد يكون ذلك مرتبطا بتحول المنطقة إلى استخدامات زراعية.
بقايا أشجار العنب والزيتون
وجد الباحثون أيضا بقايا نباتية تشير إلى أن أجزاء من المنطقة ربما استخدمت في الزراعة.
ومن بين الأدلة التي عثر عليها بقايا مرتبطة بأشجار الزيتون وكروم العنب.
ووفقا للباحثين، تعود هذه البقايا تقريبا إلى الفترة الزمنية المرتبطة بوفاة يسوع، والتي تؤرخها التقاليد المسيحية عادة إلى عام 33 ميلادية.
ويضيف وجود النباتات الزراعية إلى أوجه التشابه بين الموقع المكتشف والوصف الوارد في إنجيل يوحنا، الذي يشير إلى وجود حديقة بالقرب من القبر.
هل هو بالفعل قبر المسيح؟
رغم أهمية الاكتشاف، يحذر الباحثون من تفسير النتائج باعتبارها إثباتا نهائيا لموقع دفن يسوع المسيح.
فلم يعثر علماء الآثار على رفات داخل القبر، كما أن الأدلة المتوفرة لا تسمح بإثبات هوية الشخص الذي دفن فيه.
وتتمثل أهمية الاكتشاف في اجتماع عدة عناصر في موقع واحد، منها المحجر القديم، والمقابر المنحوتة في الصخر، والأدلة على وجود نشاط زراعي وحديقة، وهي عناصر تتوافق جزئيا مع الوصف الوارد في الأناجيل.
تقليد مسيحي يعود لقرون
يشير الباحثون أيضا إلى أن تاريخ الحفاظ على الموقع واستمرارية ارتباطه بالعبادة المسيحية يمثل عاملا مهما عند دراسة هوية المكان.
فقد ارتبطت هذه المنطقة بتقليد مسيحي طويل يعتبرها مكانا مرتبطا بصلب المسيح ودفنه، واستمر هذا التقليد عبر قرون.
لكن من الناحية العلمية والأثرية، يظل تحديد الموقع على أنه القبر الفعلي للمسيح مسألة لا يمكن حسمها اعتمادا على هذه الاكتشافات وحدها.
وتقدم نتائج الحفريات، في المقابل، أدلة جديدة حول طبيعة المنطقة المحيطة بكنيسة القيامة خلال الفترة التي تعود إلى زمن المسيح، وتساعد على فهم كيفية تغير استخدام الموقع عبر التاريخ.