كشف علماء أستراليون عن الآلية الدقيقة التي تسمح لإبرة نحلة العسل بمواصلة حقن السم حتى بعد انفصالها عن جسم الحشرة.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة PNAS العلمية، تفاصيل عمل هذه الآلية باستخدام تقنيات التصوير فائق السرعة والتصوير المقطعي المحوسب الدقيق، ما أتاح للباحثين متابعة حركة أجزاء الإبرة أثناء ضخ السم.
وتوصل الباحثون إلى أن الإبرة تعمل مثل مضخة مجهرية مستقلة، تعتمد على آلية ذات مكبسين تتيح ضخ السم بصورة متواصلة، حتى بعد انفصالها عن النحلة.
كيف راقب العلماء عمل إبرة النحلة؟
إبرة نحلة العسل ( مصدر الصورة: Unsplash )
أجرى الدراسة باحثون من جامعة ماكواري وجامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا.
ولفهم كيفية عمل الإبرة، استخدم الفريق تصويرا فائق السرعة، إلى جانب التصوير المقطعي المحوسب الدقيق، لمراقبة حركة مكوناتها الداخلية.
وخلال التجارب، جعل الباحثون النحل يلسع هلاما شفافا يحاكي بعض خصائص جلد الإنسان، الأمر الذي سمح لهم بمراقبة دخول الإبرة ومتابعة حركة الأجزاء المسؤولة عن ضخ السم.
وأظهرت الصور أن الإبرة، التي يبلغ طولها نحو مليمترين، لا تعتمد على عملية إدخال واحدة للسم، بل تستخدم آلية ميكانيكية دقيقة تواصل دفعه إلى داخل النسيج.
آلية بمكبسين تعمل مثل المضخة المجهرية
أظهرت الملاحظات أن إبرة نحلة العسل تحتوي على جزأين دقيقين يشبهان الشفرتين، يعرفان باسم الرمحين أو الشريحتين الإبريتين، ويتحركان إلى الأمام والخلف بطريقة تشبه حركة المنشار.
وتؤدي هذه الحركة دورا مهما في دفع الإبرة إلى داخل النسيج، بينما تسهم صمامات دقيقة داخل حجرة الإبرة في تنظيم تدفق السم.
وتتغير هيئة هذه الصمامات أثناء الحركة؛ فعندما تتحرك الأجزاء المرتبطة بها إلى الأسفل، تنتفخ الصمامات مثل المظلة، ما يساعد على توليد الضغط اللازم لدفع السم.
وعندما تتحرك إلى الأعلى، تنكمش الصمامات، الأمر الذي يقلل تدفق السم في الاتجاه المعاكس.
ويؤدي هذا التناوب بين الانتفاخ والانكماش، بالتزامن مع الحركة المتعاكسة للجزأين الإبريين، إلى استمرار ضخ السم بدلا من السماح له بالعودة إلى الخلف.
ما السر وراء استمرار تدفق السم؟
تكمن أهمية الاكتشاف في الشكل الهندسي الدقيق للصمامات الموجودة داخل إبرة النحلة.
فبحسب الباحثين، تعمل هذه الصمامات بطريقة تشبه المكابس القابلة للطي، إذ يتغير شكلها وفقا لاتجاه الحركة، بما يساعد على دفع السم إلى الأمام وتقليل تدفقه العكسي.
وتسمح هذه الآلية للإبرة بمواصلة ضخ السم حتى بعد انفصالها عن جسم النحلة، من دون الحاجة إلى تحكم مباشر من الجهاز العصبي للحشرة.
وللتحقق من تفسيرهم، صنع العلماء نموذجا مكبرا للآلية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، وأظهر النموذج كيفية مساهمة تصميم الصمامات وحركتها في تحقيق تدفق السم.
وتوضح هذه النتائج أن كفاءة الإبرة لا تعتمد على حدتها وحدها، بل أيضا على تصميم ميكانيكي بالغ الدقة يساعدها على اختراق النسيج وإيصال السم بصورة متواصلة.
هل يمكن أن تلهم إبرة النحلة تقنيات طبية جديدة؟
يرى مؤلفو الدراسة أن المبادئ الهندسية التي تعمل بها إبرة النحلة قد تساعد في تطوير مضخات مجهرية تستخدم في مجالات طبية وتقنية متعددة.
ومن التطبيقات المحتملة تطوير أنظمة لإيصال كميات صغيرة من السوائل إلى مواضع محددة، بما في ذلك بعض التقنيات الطبية طفيفة التوغل، التي تهدف إلى تقليل الأضرار التي تلحق بالأنسجة أثناء الإجراءات العلاجية.
كما قد تسهم هذه المبادئ في تطوير تقنيات الموائع الدقيقة، وهي تقنيات تتعامل مع كميات ضئيلة جدا من السوائل داخل قنوات وأجهزة صغيرة، وتستخدم في تطبيقات بحثية وطبية متنوعة.
وقد يساعد فهم كيفية تنظيم التدفق باستخدام صمامات مرنة ومتحركة على تصميم مضخات صغيرة لا تحتاج إلى أنظمة ميكانيكية كبيرة ومعقدة.
لكن هذه الاستخدامات لا تزال أفكارا وتطبيقات محتملة مستوحاة من الدراسة، ولا تعني أن مضخات طبية جديدة تعتمد على هذه الآلية أصبحت جاهزة للاستخدام.
تصميم طبيعي قد يفتح آفاقا هندسية جديدة
تسلط الدراسة الضوء على قدرة الكائنات الحية على تطوير آليات ميكانيكية دقيقة يمكن أن يستفيد منها المهندسون في تصميم أجهزة جديدة.
فإبرة نحلة العسل تجمع بين اختراق الأنسجة وتنظيم تدفق السوائل باستخدام بنية صغيرة الحجم، وهو ما يجعلها نموذجا مثيرا للاهتمام في مجال الهندسة المستوحاة من الطبيعة.
ومن خلال الجمع بين التصوير المتقدم والنمذجة ثلاثية الأبعاد، تمكن الباحثون من توضيح كيفية عمل هذه الآلية، وفتح المجال أمام دراسة إمكانات الاستفادة منها في المضخات الدقيقة والتقنيات الطبية.
الخلاصة: اكتشف علماء أستراليون أن إبرة نحلة العسل تعمل كمضخة مجهرية ذات آلية مزدوجة، تسمح لها بمواصلة ضخ السم حتى بعد انفصالها عن جسم الحشرة. وقد تساعد هذه النتائج على تطوير مضخات دقيقة وتقنيات طبية مستوحاة من الطبيعة، رغم أن هذه التطبيقات لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتطوير.