موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

توق الإنسان الدائم إلى السلام-هل حققّ الشعب اللبناني سلامه

إيلي أنطون شويري

 

مُذْ وُجِدَتْ البشرية، وهي، أفرادا وجماعات، تتوق إلى السلام، بما تعنيه هذه الكلمة من خير ورغد عيش وأمان وسعادة. إن تاريخها، بمعظمه، حتى هذه اللحظة، ورغم كل الإنجازات التي حققتها في مجال العلوم والمعرفة، تاريخُ غزوٍ وحروب وتدمير وقتل وإسالة دماء وسيطرة القوي على الضعيف. السلام الذي نَعِمَتْ به، عبر تاريخها، لم يَدُمْ لفترات طويلة. إنها تتوق إلى شيء ينقصها على الدوام. وهي، مع كلّ غرائز القوة والعنف والوحشية التي تُمَيِّزُ طبعها وتسيّر سلوكها، تظلّ تتوق إلى السلام، رغم فشلها في تحقيقه تحقيقا كاملا، حتى اليوم، كونها تملك، بعكس الحيوان، وبالإضافية إلى ما نسميه بالغرائز الحيوانية، عقلا وروحا وإرادة، ممّا يسمح لها ويخوّلها بأن تتطلّب النموّ والتطوّر والكمال، وتتخطّى حالة النقص والجهل والغريزة الوحشية التي تبدأ معها منذ الولادة، والتي قادت حياة القادة والشعوب في التاريخ.

إن كلمة “سلام” على كل شَفَةٍ ولسان، كل يوم، وفي كل اللغات، كلما التقى الناس وتبادلوا التحية والسلام. والتسليم باليد على من نلتقي بهم، يعني، بكل بساطة، أن يدنا ممدودة، ومفتوحة، لتعطيَ، بصدق وشفافية، السلام والأمان والإطمئنان للشخص الآخر، وهي لا تخبىء أي سلاح غدر فيها.

وكلمة “سلام” هي محور صلوات المؤمنين حين يبتهلون إلى الله كي يمنحهم ويمنح العالم بأسره السلام، أي نهاية النزاعات والحروب بين الشعوب والدول، التي يسبّبها، اليوم، ومنذ أكثر من قرن، قادة متكبرون، أقوياء ظاهريا، وهم، في حقيقتهم المبطَّنة مُعَقَّدون، ضعفاء، ومسيَّرون. إنهم، في الحقيقة، أداة طيّعة بيد رؤوس شريرة قليلة، تسمي نفسها ب”القوة الخفية”، تملك معظم ثروات الأرض، ومهووسة بروح العظمة والسيطرة والربح، تعشق عشقا مريضا، خبيثا، أن تدير سياسة حكومات العالم بالمال والقوة والعنف وإسالة الدماء والتدمير. السلام العالمي يعني، بالنسبة لها، إستعباد جميع الشعوب، وترويضها، وقتل روح المقاومة فيها، وتصفية معظمها، للتخفيف، شيئا فشيئا، من عدد سكان الأرض، بضربات إستباقية أو وقائية أو ردعية كما يحلو لهذه الرؤوس تسميتها، وبإفساد أخلاق الشعوب، وبتسميم الهواء والمياه والغذاء وحتى الأدوية. وهي تتوهّم وتدّعي أن خطرا مستقبليا سوف يأتي من تكاثر هذه الشعوب وعدم القدرة على إطعامها، ومن إمكانية إستقوائها، بتكاثر عددها المضطرد، على “المجتمع الدولي”. هذا المجتمع، في حقيقته، محصور ببضعة دول عنصرية، قوية، ثرية، تعتبر نفسها (طبعا مع الكيان العنصري في فلسطين) متفوِّقة بذكائها على سائر الشعوب. ما يريد تحقيقه “المجتمع الدولي” هذا، وبأي ثمن، ودون أي تردّد أو تراجع، إنما هو السيطرة على سائر الشعوب، من خلال خلق “نظام عالمي جديد”. إنها حقائق قد جاهرت بها، دون خوف أو حياء، تلك الرؤوس، وهي ليست مبالغة أو مجرّد ظنون في غير محلها، وبعيدة عن الواقع.

إن كلمة سلام تتردّد كثيرا، خاصة على لسان رؤساء الدول والحكومات الكبرى القوية، وعلى لسان مسؤولي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المنبثقة منها، والتي تخضع جميعها لسيطرة الدول الكبرى والمنظمة التلمودية الصهيونية الماسونية، المموِّلة لنشاطاتها، وتنفِّذ أوامرها، وتعذرُ وتبرِّرُ سياستها العدوانية ضدّ الشعوب الضعيفة التي لا تلقى أية حماية من هذه المنظمات العالمية سوى الحماية الكلامية، بحجة دفاعها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحريته وكرامته، في إطار الحديث عن “السلام العالمي” الذي يعملون، في الظاهر، من أجله، ضدّ محاور بعض الدول الحرّة المستقلة الأبية، الرافضة لأية هيمنة، والمُتَّهَمَة بأنها لا تعمل من أجل السلام، وأنها تؤيد وترعى الإرهاب (أي المقاومة ضدّ إرهابهم)، والتي ألصقت بها، كذبا وظلما وتجنّيا، تسمية “محور الشر”.

في هذا الجوّ “الرائع” في الظاهر، والذي يلهج فيه كل قادة الشعوب بمنطق السلام والإستقرار، والإزدهار الإقتصادي والتقدّم العلميّ، والأمن القوميّ، ومصلحة الشعوب العليا، وبمنطق العولمة الجامعة والموحِّدة للشعوب كافة وللحضارات، نرى الشعوب المشتاقة إلى السلام الموعود والسعادة الموعودة ترزح أكثر فأكثر تحت نير عبودية حكامها وحكام الأرض، ولا تتلقّى إلا ضربات الحروب والإرهاب والتسلّط والإفقار والتجويع والمرض والموت والإبادة.

إذاً، مفهوم السلام، كما يبدو، وكما هو على حقيقته في الواقع، يختلف جذريا بين الحكام الأقوياء والشعب الضعيف. إنه مفهوم نسبيّ. مفهوم السلام، بالنسبة للذئاب الخاطفة، هو افتراس الخراف التي ترعى، بحسب مفهومها للسلام، في المروج الخضراء.

السلام الذي يرنو إليه الشعب ليس السلام الروحي الداخلي الذي يحققه القديسون والمتصوفون والنساك والزهاد، نتيجة حياة كاملة وشاقة من العزلة والتقشف والصوم والصلاة والتأمل والتفكير، بعيدا عن ضجيج العالم ومُغرياته وشروره، إنما هو، بكل بساطة، سلام الإتفاق بين أبنائه، والإتفاق مع سائر الشعوب، والتمتّع بالحياة الكريمة، الهانئة، الآمنة، التي لا خوف فيها من بطالة، وفقر وعوز، وجوع، وجريمة، ومرض، ومذلّة، وعنف وحروب. هي حياة غير مُهدَّدَة كل لحظة بالتدمير والتخريب والتشويه والزوال، كما هو حاصل اليوم في لبنان، وفي الشرق العربي. هي حياة لا يقلق فيها الشعب على غده ومصيره، كل لحظة، بسبب مخاطر مخيفة في الداخل وفي الخارج (خطر الفتنة مثلا، وخطر وحوش الإرهاب، وخطر التدخل الخارجي الدائم في كل شؤونه)، مخاطر قد ساهم في خلقها له بعض حكامه بالتواطؤ مع بعض حكومات الخارج السخية جدا بمكافآتها المالية لمطيعي ومنفذي مشيئتها.

وأما السلام، بحسب مفهوم قادة العالم، فهو بكل بساطة، وباختصار شديد ولكن مفيد، خضوع وطاعة الشعوب وحكوماتها لهم.

الغريب في الأمر هو أنهم، أي قادة الشعوب، يصنعون الحروب والفوضى والمآسي للشعوب بحجة خلق عالم أفضل للجميع، تحكمه حكومة تلمودية واحدة من “المتنوّرين”، ولكنّ هذا العالم الأفضل لا يأتي أبدا. العالم الذي أتى هو سيّء، والعالم الذي سيأتي سيكون أسوأ. وأصحاب هذه الفلسفة الماكيافلِّية القائلة بأن “الغاية تبرِّر الواسطة” ليسوا بأغبياء. إنهم يعرفون جيدا ماذا يريدون وماذا يفعلون. لا يهمّهم تنبيه صوت الضمير، ولا يهمّهم أنين وصراخ الشعوب. فهم، بحسب طبيعتهم الشريرة المستبدّة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، والتي سوف يورثونها أولادهم وأحفادهم من بعدهم، قد قرروا بأن يكونوا قساة القلوب، وأن يسودوا على كل الشعوب بقوة المال والسلاح وإفساد الأخلاق وخلق الفتن والحروب والأمراض والتلوث والمجاعات، كما صرّحوا هم أنفسهم بذلك، مرات عديدة (ثمة وثائق تثبت بأن الحروب والثورات في أوروبا وروسيا والولايات المتحدة والعالم، قبل وبعد الحرب العالمية الأولى حتى الساعة، هي من صنعهم). لم يستطع أحد، حتى اليوم، إيقافهم عند حدّهم، أو اجتناب أعاصير شرّهم المستفحل، لا بالإنتقاد والتشهير، ولا بالقوة، ولا بالموعظة الحسنة.

طعم السلام من يذوقه إذًا، يا ترى، في هذا الجوّ الموبوء بالخوف من الحروب ومن الغد ومن الموت، ومن شرّ السياسيين الذين أفسدهم المال، وهم بدورهم يفسدون حياة شعبهم، ويعكِّرون صفو عيشه، بإهمال حاجاته، وبتفضيل مصلحتهم الشخصية ومصلحة الخارج على مصلحته، وبإبقاء لبنان وطنا ضعيفا يستبيحه الإرهاب الصهيوني والتكفيري ساعة يحلو له ذلك؟

في لبنان، طعم السلام لم يذقه أبدا الشعب اللبناني عبر تاريخه المأساوي، إلا ربما في فترات قليلة جدا، سرعان ما كان يعكّر صفوَها غزوات واحتلالات مستمرة من كلّ الجهات، وفتن داخلية متجدّدة بين طوائفه يؤجّج نيرانها المستعمر أو الغازي. المهاجرون إلى بلدان الإغتراب قد استطاعوا، بمعظمهم، وبجهدهم الشخصيّ، بناء حياة جديدة لهم قد ذاقوا فيها، بنسب متفاوتة، طعم الحرية والكرامة والسلام وحماية القانون، بعيدا عن وطنهم. أما الذين لم يستطيعوا أو لم يُريِدوا الهجرة، فقد ذاقوا الأمرَّين من بقائهم هنا (باستثناء الأثرياء والتجار ورجال الأعمال والدين، والمحظوظين في وظائفهم بالدولة وبالقطاع الخاص)، بسبب فساد معظم السياسيين في الداخل، وبسبب إفساحهم مجال التدخل الدائم للخارج في توجيه سياسة لبنان بعكس ما يشتهي شعب لبنان. منذ الإستقلال الذي أسكر اللبنانيين وأفرحهم، وظنوا أنه بداية تحرّرهم من الوصاية الأجنبية وبداية سعادتهم، حتى اليوم، السياسة المتبعة بين”خارج” خبيث، طمّاع، مفترس، شرس، عدواني، وبين بعض سياسيّي “الداخل” المتخاذلين، المصابين بداء العظمة وشراهة المال والقوة، المتعاونين مع الخارج، المتآمرين على الشعب اللبناني، بالدم والوراثة، هي ذاتها. لم تسبِّب هذه السياسة للشعب اللبناني إلا المذلّة والتعاسة والفقر والقلق والهجرة والموت. في لبنان، لا سلام ولا راحة بال إلا لأبالسة الداخل، أذيال أبالسة الخارج السعداء.

إنّ الفرصة سانحة دائما للشعب اللبناني، اليوم وغدا، كي يبدأ بتذوّق طعم السلام. إن الحوار بين النخب الجيدة وبين أقطاب الطوائف، ينبغي أن يبدأ اليوم ولا ينبغي أن يتوقّف، على أرض لبنان بالذات، لا في الخارج، كالحوارات السابقة، في بلدان وصايات قديمة وجديدة، غربا وشرقا، التي فُرِضَتْ فرضا على الزعماء اللبنانيين المختلفين على كل كل شيء، والمتكبرين والمتصلبين، والتي كان الشعب اللبناني دائما مُغَيَّبًا عنها، وضحية لها.

على الشعب اللبناني، بدعم من الإعلام الصادق غير المرتهَن لمشيئة آلهة المال، ومن نخبه الروحية والفكرية والتربوية الجيدة، أن يأخذ المبادرة الشجاعة غير المسبوقة، ويطلب بشدّة وإلحاح من زعمائه أن يتحاوروا مع بعضهم البعض، وأن يكفوا عن استعماله وقودا لصراعاتهم العنيفة، الدموية، السخيفة، التافهة، على السلطة، والأحجام والأوزان، وتقاسم حصص الحكم، وانتفاخ العظمة الذاتية إلى حدّ تأليه الذات، وتجميع المال والسلاح والرجال، كما حصل في الماضي بعد نيل الإستقلال، وكما يحصل اليوم. على الشعب اللبناني أن يعلن، من خلال نخبه الجيدة، رفضَه لسياسة الحقد والأنانية والمصلحة الشخصية والكيدية والتحدي والباطنية، وسياسة “المحاور” (الإقليمية والدولية)، وسياسة التفرقة والتهوّر وخلق الفراغات في الحكم والعقم الكامل بتنفيذ المشاريع العمرانية، تلك السياسة التي ينتهجها زعماؤهم ضد زعماء آخرين، وضدّ شعب الوطن، بإيعاز خبيث من وسواس شرير يسكن نفوسهم، ومن بعض حكومات الخارج المسكونة بالوسواس عينه، من أجل تأجيج نار الفتنة بين أبناء الشعب، وإضعاف الوطن بشعبه وجيشه ومقاومته.

إنها الطريقة الوحيدة الفعّالة ليؤسِّس اللبنانيون لمستقبل جديد للبنان، يستطيعون فيه أن يتذوّقوا طعم الكرامة والإزدهار والسلام، في غياب أية محاولة جدّية، صادقة، غير آنيّة، من قِبَلِ الحكومة والزعماء، لتوحيد الشعب، وخدمته، وإراحته، وإسعاده.

غير أن الكلام لم يعد يؤثر في السياسيين المتكبرين، لأنهم يردّون على دعوة الشعب لهم بالحوار، وعلى تذمّره من الأوضاع السيئة، بالكلام المعسول، المخدِّر، المُطَمْئِن، وبالكلام البليغ المتفذلِك، وبالوعود الجميلة، ثم بالتطنيش والتجاهل والتسويف.

ربما، في النهاية، التظاهر وحده ضدّ السياسيين ينفع، إذا (هذا شرط شبه مستحيل) وعى أبناء الشعب، على الأقل، أن مصلحتهم الوطنية واحدة، وينبغي أن يوحّدوا أنفسهم ضدّ ظالميهم. ربما الصراخ وحده في وجه السياسيين الأنانيين، المغرورين، المخادعين، ينفع. فليتحضّر الشعب للتظاهر الدائم، حتى العصيان، إذا دعت الحاجة، في ساحة النضال والشهداء. أجل، فليتحضّر الشعب، إن أراد حقا السلام والحياة الكريمة الآمنة، للتظاهر السلميّ والصراخ العالي حتى إزعاج السياسيين الذين يؤجلون البحث، مثلا، في إيجاد وسيلة للتخلص نهائيا من شرّ التلوث المسمِّم للأجواء والمسبِّب للإختناق ولأمراض السرطان، وفي حلّ مشكلة الكهرباء والبطالة وغلاء المعيشة، ويتجرّأون، فقط، وبكل وقاحة، على زيادة الضرائب على الشعب الفقير المقهور.

يستطيع الشعب أيضا، وحتى دون اللجوء إلى التظاهر في الشارع وإعلان العصيان، أن يضغط، بواسطة نخبه الجيدة، على السياسيين، لكي يختاروا، مثلا، قانونا إنتخابيا نسبيا جديدا شاملا لكل لبنان (لا مجتزَءًا كالقانون الهجين المبتكر في الإنتخابات الأخيرة)، يحترم حرية الناخبين في انتقاء مرشحيهم، ويعكس ويمثل قوى الشعب على حقيقتها، في كل لبنان، ويمنع التحالفات الغريبة، غير المنسجمة العقيدة والأهداف، وغير الوطنية، التي تحصل بحسب المصلحة الشخصية الآنية، والتي تنتهي مع انتهاء الإنتخابات. ثمّ يمكن أن يلي ذلك، الضغطُ من أجل تطبيق نظام حكم يحترم المناصفة والشراكة الحقيقية بين كل الأفرقاء كما نصّ اتفاق الطائف، ويمنع الإستئثار بالحكم من قبل فريق مدعوم من طابخي هذا الإتفاق في الخارج، ضدّ سائر الأفرقاء.

وعلى الشعب اللبناني، أيضا، ألّا ينسى الضغط على حكومته من أجل بناء جيش قويّ عِدَّةً وعددًا، بكل معنى الكلمة (ودون استئذان الخارج الممانع لتقوية الجيش رغم نكران بعض المسؤولين لذلك)، وبتمويل ذاتيّ من أغنياء وفقراء لبنان لا من الخارج، ومن أجل وجوب القبول بوجود المقاومة المنسّقة لنشاطها مع الجيش، والداعمة له ريثما يصبح قادرا وحده على مجابهة العدوّ الصهيوني وإرهابيّيه، ووجوب الإعتراف بفضلها في حماية لبنان من شرور الإرهاب، واحترام تضحياتها وجرحاها وشهدائها. لأنه صار من الواضح أنه لا سلام للشعب اللبناني بلعبه دور الشعب المسالم، اللطيف، الضعيف، المسكين، بحسب المنطق الذي كان سائدا في عقول معظم السياسيين وأبناء الشعب منذ القرن الماضي، والقائل: قوة لبنان في ضعفه. بحسب المنطق السليم المبنيّ على الواقع، وبعد التجارب القاسية، المؤلمة، التي مرّت على الشعب اللبناني، صار من واجب جميع السياسيين أن يعوا ويفهموا، اليوم، دون مكابرة وخبث، بضغط من الشعب أم لا، أن الشعب اللبناني ينبغي أن يكون قويا بجيشه وبمقاومته وبوحدته، وإلا فلن تحترمه دول العالم التي لا تؤمن إلا بالقوة، ولن ينعم بطعم السلام أبدا. لبنان اليوم والغد، ينبغي أن يكون، بوحدة أبنائه جميعا، طائر الحمام الوديع، يحمل، دائما، غصن الزيتون، والأسدَ القويَّ، الشجاع، الذي لا يرهبه شيء.

في نهاية الأمر، ومع متابعة الشعب ضغوطه على الحكام، لا مفرَّ، عاجلا أم آجلا، مِن أن يحين الوقت المناسب للبحث بنظام علمانيّ عادل، ومتحرّر من عقد الطائفية والتعصّب والإستئثار بالحكم، تُحْتَرَمُ وتُطَبَّقُ فيه القوانين بالتساوي بين جميع أبناء الوطن، وينعم اللبنانيون، تحت ظلاله، بشيء من السلام.

ولا بدّ أيضا من أن يستمرّ الضغط، من خلال النخب دائما، للبحث، بتأنٍّ وبشكل سَلِس، ودون تدخلات خارجية (بعد فضح وإزالة كل أحصنة طروادة الوقحة، المتكبرة، المحتالة، الكثيرة في الداخل)، في كلّ المشاكل/المشاريع العالقة التي لا تُحصى ولا تُعدُّ، وإيجاد التمويل الشريف الذاتي (غير الخاضع لخبث وابتزاز الدول “المُقرِضة” أو “المانحة”) والحلول النهائية لها، بإشراف قلوب سياسية نظيفة، وعقول سياسية سليمة، وإرادات سياسية صالحة، متحررة من عبودية شياطين الخارج، تعمل، بصدق وباستمرار، فقط من أجل إسعاد مصدر السلطات، الشعب اللبناني، لا إتعاسه.

إن فرصة التحرّر بالحوار أو بالتظاهر والعصيان، فرصة ثمينة، سانحة كل لحظة، ولا ينبغي تفويتها. الشعب، إذا اتحد كله تحت شعار واحد، هو شعار الحرية والكرامة والعدالة، وبقلب واحد، في وجه الأخطار التي تطال وتهدّد الجميع، يزداد قوة ومنعة. إن الأمر الضروري لإنجاح أي حوار هو المثابرة في تجديده وإجرائه في جوّ جريء وصادق. أما الحفاظ على التظاهر، حين تدعو الحاجة، فهو الإبقاء على نظافته وطهارته وروحه السلمية، وحمايته من المتسللين الخبثاء المشاغبين، لتحويله عن مساره الشريف (كما حدث في تظاهرات الشباب من قبل، سنة 2014/15)، بافتعال أعمال العنف ضدّ القوى الأمنية والجيش وإلصاق التهمة بالمتظاهرين)، وحمايته، بنوع خاص، من المال السياسي الخارجي-الداخلي الفاسد، المتفشي بكثرة بين أيادي السياسيين الثعالب، الذين سرعان ما يحاولون تبنّي التظاهر وأهدافه من أجل احتوائه، إلى جانب بثّ مشاغبيهم في صفوف المتظاهرين لإضعاف روح الثورة حتى إجهاضها. إن التظاهر بحاجة إلى التحلّي بالصبر الجميل، وبروح التضامن والوحدة بين شركاء المصير في الوطن الواحد، وبروح السلام والمحبة والحكمة تجاه من يتظاهرون ضدّهم، ويصرخون في وجوههم، أي السياسيين الفاسدين، المتكبرين، الضالّين.

إن ثورة الشعب السلمية، ثورة الحوار وثورة التظاهر، من أجل تحصيل حقوقه، والحفاظ على كرامته، وتحقيق إزدهاره وسعادته وسلامه، تكمِّلان بعضهما البعض. في كلتا الحالتَيْن، إن لهذه الثورة، ثورة مَنْ صوته مِنْ صوت الله، وثورة مَنْ هو مصدر كل السلطات، حظّا كبيرا بالنجاح في امتحانها الصعب، وبالإنتصار على نفسها وعلى ظالميها في الحكم، وبربح رهانها الواعد، إذا كانت، حقا، بقيادتها ومناضليها، موحَّدَةً، ومتطهّرة من روح الكبرياء، وسطوة غرائز الحقد، والغضب، والعنف. إنها، حينئذٍ، تكون، فعلا، ثورة مباركة من أهل الأرض الأخيار، ومن أهل السماء الأطهار، وهي سوف تؤتي، حتمًا، ثمارا جيّدة، ولو بعد حين، ثمارا لها طعمها الطيّب اللذيذ، طعم الحرية والكرامة والإزدهار والسلام. إنه طَعْمٌ يستحقّه الشعب اللبناني بعد كل معاناته المأساوية الطويلة، المتواصلة، عبر تاريخه، المليئة بتذوّق وتجرّع كل أنواع المرارات، بوجود دائم لزعماء وحكّام متكبّرين، أنانيّين، ظالمين، بلا صدق، وبلا إحساس إنسانيّ مرهف، وبلا ضمير حيّ، وبلا رؤيا واضحة، سليمة، لمستقبل الشعب اللبناني.