موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

مفهوم الوحدة الوطنية وواقعها في لبنان

إيلي أنطون شويري

 

إن مصطلح “الوحدة الوطنية” (المستعمَل بشكل دائم في لبنان)، يعني أن يكون شعبُ أيِّ وطن مُوَحَّدا بالقلب والعقل والإرادة، تجمع بين أبنائه كلهم روحُ حبِّ الوطنِ الواحدِ، والولاءِ الكاملِ للوطنِ الواحدِ، والإخلاصِ له وحده، والمصلحة المشتركة التي تعني حب الحياة، معا، وتقاسم خيرات الأرض، وبناء الذات الوطنية والإقتصاد والمشاريع العمرانية والحماية الذاتية. والوطن يعني، بكل بساطة، وحدة الأرض والشعب والتراث ورؤيا المستقبل، وليس كلمة وهميّة، مبهمة، ميتة، كما تحوّلَت لفرط الإستعمال البارد، المبتذل، غير الصادق، وغير الواعي، إلى أن أُبْدِلَتْ بكلمة “بلد” البليدة.

إنّ حبّ الوطن هو أكثر من مجرّد مصلحة أنانيّة مشتركة في وجوب تعايش الأفراد والجماعات معا. إنه يعني، بالإضافة إلى ذلك، حبّ أبناء الوطن لأرضهم التي تحتضنهم، معا، في حياتهم ومماتهم، وحبّهم لبعضهم البعض كشركاء حياة ووجود ومصير، واستعدادهم الدائم للدفاع عن أرضهم وعن وجودهم ضدّ كلّ خطر داهم. لا وطن، ولا وحدة وطنية، دون هذا الحبّ. والأرض، بلا شعب حيّ، مُوَحَّد، محبّ لها ولبعضه البعض، لا تشكّل وطنا.

إن كل الشعوب تعمل بشكل طبيعيّ، إن هي أرادت الحياة بكرامة وإزدهار وطمأنينة وسلام، من أجل أن تحافظ على تماسكها ووحدتها، وأرضها. وحدة الشعب تجعله قويا منيعا ضدّ أية محاولات قوى خارجية مستقوية بالمال والسلاح، ومدفوعة بروح الكبرياء والطمع والسيطرة والشرّ، هي دائما جاهزة لزرع الفِتَنِ بين أبنائه، من أجل التسبّب لهذا الشعب بالتفكّك والإنقسام والضّعف والحزن والخراب، ليسهل على هذه القوى أمر ترويضه والتحكم به.

تكثرُ الدعوات إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتتكثّفُ، في حالات الخطر الشديد على الوطن. ولبنان لم يَسْلَمْ يوما من هذا الخطر الذي يأتي دائما من الخارج، من دول لها أطماع في السيطرة على إرادة شعبه وحياته ومُقدِّراته. سلاح هذه الدول هو عينُه لا يتغيّر، في سياستها العالمية الشاملة للكرة الأرضية: بثّ روح الفتنة والتنافس على السلطة بين زعماء الوطن، وبثّ سُمِّ إغراءات المال السخية في دَسَمِ المشاريع والمساعدات، والتهديد بعقاب مالي أو عسكريّ، في حال عدم الإستجابة لرغباتها وطاعة مشيئتها. إن لبنان، “بلد” تعايش الطوائف المتنازعة فيما بينها معظم الأوقات، يتميّز بكونه أرضا خصبة جدا لزرع بذور الفتنة، وبقابلية شرهة لدى زعماء الطوائف، المصابين بعقدة العظمة، على لهط المال وممارسة السلطة، وبناء الجيوش الخاصة لكل زعيم ولكل طائفة، من أجل الحماية الذاتية، لا حماية الوطن.

في لبنان، “الوحدة الوطنية” تعبير نسمعه، كل يوم، منذ نعومة أظفارنا. وهذا دليل أن الوحدة بين أبناء الشعب اللبناني ليست موجودة. إنها غائبة، مفقودة، وبحاجة إلى استحضار دائم، دون أن تحضر. كل المراجع الدينية والسياسية والإعلامية والتربوية والعمّالية كانت، وما تزال، تدعو الشعب إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية، لفرط ما كان وما يزال الوطن اللبناني، بنظامه الطائفي الهشّ، الهزيل، عرضة دائمة للأخطار الخارجية والتفتيت. والحديث يتكرر دائما، كلما دبّ الخلاف العنيف والحرب الكلامية بين زعماء الطوائف حول تقاسم حصص الحكم والسلطة من وظائف ووزارات، وحول “الحيثيات” و”الأحجام” و”الأوزان” الشعبية (أي الطائفية)، وعن “التوازنات الدقيقة” التي لا يجوز المساس بها. ومن الطبيعي جدا أن ينتقل خلاف زعماء الطوائف فيما بينهم، بكل عنفه، إلى الأتباع. حتى الساعة، الوحدة الوطنية الحقيقية مفقودة في لبنان، مع أن مفهومها الحقيقي النظري والواقعي واضح، وبسيط، ومعروف من جميع اللبنانيين، شعبا ونُخَبا، ومع أن الجميع يتغنّون ويتغزّلون بجمالها ومحاسنها.

لماذا، إذًا، الوحدة الوطنية في لبنان، هي وحدة صعبة التحقيق، منذ الإستقلال حتى اليوم؟

ليس من الضروريّ أن يكون لكل أبناء الوطن الواحد تفكيرٌ واحدٌ، وشعورٌ واحدٌ، وتصوّرٌ واحدٌ، في كل القضايا الحياتية والسياسية والإقتصادية والروحية. ولكن، إن الوحدة الحقيقية تبدأ وتترسّخ قبل كل شيء بوجود وبتنمية روح الإنتماء والإخلاص لوطن واحد إسمه لبنان، وطن جامع وحاضن للكل، شعبا ودولة وجيشا وأرضا وتاريخا وحاضرا ومستقبلا. ومن ثمّ، وبعد أن يتوفّر هذا الشرط الأساسي، إن توفّر من خلال تربية أخلاقية، مدنية، وطنية، واحدة، سليمة، يتبارى الشركاء في الوطن الواحد في مجال خدمة وطنهم فقط، لا خدمة طوائفهم، وخدمة أوطان أخرى، بكل ما لديهم من قوة وحبّ وتنوّع واختلاف وغنى في الأمزجة والعقليات والأفكار والأساليب والمصالح. إنها خدمة تفيد المجتمع الواحد كما تفيد كل فرد، من خلال الأحزاب والنقابات والإعلام والدولة والعمل اليوميّ المنتج، ومن خلال التعامل اليوميّ العاديّ في جميع الحقول والميادين مع الشريك الآخر في الوطن. التنوّع، إذاً، والإختلاف، ينبغي أن يكونا مدعاة وحدة وقوّة ومِنعة وازدهار، وغنى نفسيّ وروحيّ واقتصادي وحضاريّ للوطن، ومدعاة تلاقٍ وحوار وتفاهم، لا مدعاة حقدٍ وتحدٍّ وخلاف وضعف وانقسام وتنافر وتخلّف.

لماذا واقع لبنان المعروف من جميع أبنائه لا يعكس هذه الوحدة بمفهومها الحقيقي؟

إنها وحدة يتمناها في أعماقهم كل أبناء الشعب، دون أيّ شك، ويتمناها أيضا (أو هكذا كنا نودّ أن نتمنى) زعماء الطوائف والساسة مِمّن يُفتَرَضُ فيهم أن يحملوا بجدّية هموم الشعب، ومسؤولية إدارة شؤونه، بحكمة وإخلاص.

إن مسؤولية تحقيق الوحدة الوطنية هي، بالدرجة الأولى، مسؤولية الزعماء. في الحقيقة، الزعماء لا يبذلون جهدا كافيا، صادقا، ودائما، من أجل ذلك. إنهم يدعون إلى الوحدة الوطنية بالكلام فقط، وكأنهم لا يريدونها، وكأنها ضدّ مصلحتهم الشخصية، وديمومة عزّهم المبنيّ على هواية الممارسة لسياسة “حافة الهاوية” والتحدي الدائم لزعماء آخرين من طوائف أخرى في حلبة المصارعة والملاكمة، واستدرار عطف ومال ودعم بعض الدول التي عوّدها الزعماء العبثَ بمصير الشعب اللبناني. وهم يتصرّفون وكأنهم يعطون الإنطباع (الكاذب) للشعب بأنهم يعجزون عن تحقيق الوحدة الوطنية، وبأنهم مغلوبون على أمرهم، ويرمون تهمة التقصير على منافسيهم في الحكم والوجود. وكأن الوحدة (ومعها الحرية والكرامة) أشياء ممنوعة على اللبنانيين، وكأنهم قد تعوّدوا فقدانها وعدم افتقادها، ورؤية طيفها في الأغاني الشعبية والنشيد الوطني والحلم فقط، إلى درجة أصبحت فيها حالهم تشبه حال المحكومين بالسجن المؤبد، فإذا حصل عفوٌ عامٌ مفاجىءٌ، وفُتِحَتْ أبوابُ السجن لهم، فإنهم يبقون في الداخل، مُخّدّرين، كسالى، قابعين في الزوايا المعتمة، المؤنسة، التي اعتادوها.

الأسباب التي تفرِّق بين اللبنانيين قد أصبحت معروفة من الجميع: كثرة الطوائف والمذاهب والأديان والأحزاب والتكتلات والقوميّات والأمزجة والمصالح، وشهوة الإستئثار بالحكم والسلطة لدى الزعماء، ودوام وقوّة إرتباطاتهم المالية والمذهبية العاطفية مع “الخارج”، والحَذَرُ التاريخيّ المزمن الموروث، والمغذّى من هذا “الخارج” بالذات ومن خلال الزعماء المتكبرين، بين كل هذه المكوِّنات للوطن الواحد.

هذا الوطن لم يعرف يوما الوحدة الحقيقية بين أبنائه، إلا، كما أشرنا منذ قليل، في الأغاني الشعبية والنشيد الوطني، وأيضا في المجاملات الكاذبة في الأفراح والأتراح.

أمّا قصّة هذا “الخارج”-الكابوس على الشعب اللبناني فقط، وقصّة مستضيفيه السعداء الدائمين في الداخل من زعماء وساسة وإعلاميين ورجال أعمال ودين وأصحاب مصارف من جميع الطوائف دون استثناء، فهي قصّة معروفة من جميع أبناء الشعب بكل تفاصيلها. والذين يمثلون هذا “الخارج” هم رؤساء وملوك وأمراء (مصابون بعقدة القوة والعظمة) لدول وحكومات قوية، وغنية، وسخيّة مع مطيعيها، ونواياهم المبطَّنة ومخططاتهم الشريرة تجاه لبنان، غير خافية على أحد.

ولكنّ السؤال المحيّر يبقى هو ذاته في كل المراحل: لماذا طالت الأمور (الإنقسام والفرقة والتصادم) إلى هذا الحدّ بين اللبنانيين، ولماذا لا يحاول اللبنانيون، شعبا وزعماءا على حدّ سواء، ولو مرّة واحدة في تاريخ هذا الوطن المستضعَف، المعذَّب، ودون الخوف من أحد ودون استئذان أحد في “الخارج”، ودون السماح لهذا “الخارج” بتسميم أجواء “الداخل”، وإجباره جبرا على البقاء خارجا، أجل، لماذا لا يحاول الزعماء اللبنانيون الجلوس معا للحوار من أجل خلق حلول نهائية لمشاكلهم النفسية العقيمة التي لا طائل تحتها، وخلافاتهم التافهة وتنافسهم المثير للضحك والشفقة حول المال والسلطة والحكم والشهرة والأوزان والأحجام والحيثيات وحصص الحكم وإثبات الوجود، خاصة وأن أبناء الشعب يعيشون في حالة قلق دائم على المصير، جراء الأخطار الكثيرة المُحْدِقة بهم، حتى الساعة، من كل جانب، في الخارج والداخل؟ ماذا ينتظرون ليفعلوا ذلك؟ من تُراهُ لا يعرف هذا المثل، ولماذا لا يطبّقونه: في الإتحاد القوة؟

إن المسألة هي، في الحقيقة، أبسط بكثير مما يظنّه اللبنانيون. الساسة، بسبب من كبريائهم وأنانياتهم ومصالحهم الشخصية وأطماعهم وقساوة قلوبهم، وفقدانهم لروح الواجب والحق والبرّ والعدل والرحمة، هم الذين يعقّدون الأمور، لا الشعب البسيط، الكادح، المغلوب على أمره، والذي لا يطلب، كما يُقال، إلا “السترة”، والذي، رغم كل شيء، يظلّ يحبّ ويقدّس زعماءه حتى العبادة. فهل من يستطيع أن يقنع الساسة، وكيف، بأن يتحلّوا بشيء من التواضع والقناعة والمحبة، ويتخلّوا عن عشق “كنوزهم” في “الخارج” حيث تسكن قلوبهم كل الوقت، وأن يتوحّدوا على حبّ وطنهم لبنان أوّلا وأخيرا، والعمل من أجل مصلحة شعب لبنان وخيره وحسب؟

نحن نؤمن إيمانا عميقا بأن الساسة اللبنانيين، إذا قرروا (لو يقررون، ومتى؟) أن يتّحدوا، فليس من قوة على الأرض تقدر على منعهم من تحقيق وحدتهم، ومن ثمّ وحدة الشعب اللبناني الحتميّة. الشعب مشتاق إلى الوحدة بين زعمائه وأبنائه. فليقرِّروا، بكل بساطة، إذاً، أن يتوقفوا عن لعب دور “أحصنة طروادة” تتصارع فيما بينها في الداخل، وتابعة لأكثر من مدينة “طروادة” تتصارع دائما فيما بينها في “الخارج”. إن لعب هذا الدور لا يؤذي إلا الشعب اللبنانيّ وحده.

إنه طلب يبدو سهلا للوهلة الأولى، ولكنه ليس كذلك بالنسبة للمدمنين على عشق “الخارج” وكنوزه، وعشق حياة الغنى والترف والقوة والعظمة والمجد. التوقّف عن الإدمان هذا، إنما يتطلب إنسلاخا مؤلما من قِبَلِ الساسة المتورّطين من أخمص القدم حتى الرأس، مع “الخارج” (منهم بالوراثة أبا عن جدّ، ومنهم حديثو النعمة في أوحال التورّط)، والمغمورين بنعمه، من مال وقوة وسلاح ودعم معنويّ وحماية، وكلها “نِعَمٌ” تُستعمَل ضدّ شركائهم في الوطن لا ضدّ العدوّ التلمودي العنصري وإرهابيّيه، وتتحوَّل إلى نقمة كبيرة على الشعب اللبنانيّ وحده.

إن الإنسلاخ عن الخارج أمر ضروري، و”التضحية” بالأنانيات والمصالح أمر ضروري، وتحمّل “وجع” الإنسلاخ أمر ضروري، من أجل قضيّة أشرف وأسمى، ألا وهي خلاص شعب الوطن الواحد لبنان من شرّ التمزّق والزوال، ومن أجل إعادة الثقة واللحمة والكرامة المفقودَة بين أبنائه، وتحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية، في الواقع، لا في عالم الأغنية والوهم والخيال والحلم.

إذًا، كلّ شيء يهون في لبنان، إذا بدأ الساسة، وهم أصحاب الحلّ والرّبط، بالتحرّر من سلطة “الخارج” وعبادة المال، وبالعمل مع كل شركاء الوطن، بكل نيّة صافية، وبكل تواضع، وبكل صدق، من أجل الإستجابة لمطلب الشعب الأساسيّ الدائم، ألا وهو تحقيق وحدتهم، هم أولا، كنخبة مسؤولة، وقادرة، وفاعلة، ومن ثمّ تتمّ، بشكل طبيعي، وحدة الشعب، لأنّ الشعب ينجرّ، بمعظمه، دون مقاومة وتردّد، وبسحر ساحر، وراء زعماء طوائفه، مهما قرّروا وفعلوا، في السرّاء والضرّاء. أجل، ساعتها، أي حين يتفق الزعماء، كل شيء يهون. نذكر على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

-انتخاب رئيس للجمهورية، كل ست سنوات، لا يعود مشكلة معقدة، وعرضة للتأجيل.

-عملية تأليف حكومة وتقاسم أو توزيع “حقائب” وزارية لا تعود أيضا عرضة للتأجيل، ولا تتحول إلى عملية اقتتال سخيف، تافه، بين زعماء الطوائف على احتكار وتناتش الحصص الأهم، وعلى الكرامة وال”حيثية” والوجود والسيادة، بل تصبح تنافسا على خدمة الشعب اللبناني.

-الإنتخابات النيابية تحصل، من خلال قانون، لا كيدية فيه، عادل للشعب ولجميع المرشحين من مستقلين وأحزاب وزعماء طوائف، لا كيدية فيه وفرض لوائح برمتها على الناخبين، دون تأجيل مستمر لأسباب مغرِضة، غير منطقية، وغير مقنعة، ودون تنافس حقود، عنيف، ودون إشعال الأتباع وتجييشهم ضدّ بعضهم البعض.

-عمل المؤسسات يتمّ بشكل طبيعي إلى أن يحين موعد الإتفاق على دستور جديد عادل للجميع.

-تزول كل الأسباب لتعطيل آلية الحكم، وخلق فراغات فراغات موسمية، عبثية، قاتلة للشعب اللبناني وحده.

-يتمّ، بوضوح كامل، تحديد من هم أعداء الشعب اللبناني ومن هم أصدقاؤه، وواجب التصرّف والمواجهة، معا، مسؤولين وشعبا، بحسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا، أي مصلحة كل الشعب اللبناني، لا مصلحة بعض الزعماء.

-يتمّ بناء جيش قويّ بالعدّة والعدد، دون تلكؤ وتأجيل وخداع، ودون إستئذان بعض دول الخارج الممانعة لتسليح الجيش، الحريصة جدا، فقط، على عدم إزعاج وإقلاق راحة الكيان العنصري في فلسطين.

-يتمّ إنجاز المشاريع العمرانية الكثيرة العالقة.

-لا يعود هناك مشكلة نفايات وتلوّث وأمراض.

-وفي الوقت المناسب، وبعد أن ينجلي نهائيا غبار المعارك مع الإرهابيّين وحُماتهم المفروضة فرضا على المنطقة وعلى لبنان، وبعد أن ينتهي قرع طبول الحرب الذي بدأ يدويّ من جديد في أجوائنا استعدادا لحرب وشيكة على منطقتنا تفرض على اللبنانيين أن يتوحّدوا بأسرع وقت، وعلى الزعماء أن يؤلّفوا الحكومة الآن وليس غدا، لعلّه، حينئذٍ، يتمّ البحث في إمكانية إقتناع اللبنانيين، أو معظمهم، بالحفاظ، إن أمكن في أجواء الجحيم المستمرّة هذه، أو بعد انتهائها، على دور حياديّ للبنان، وطن الرسالة الحضارية الإنسانية، رسالة المحبة والسلام، لا يكون فيه طرفا في أي نزاع بين دول خارجية في المستقبل، مع بقاء لبنان موحَّدا، قويا جدا بجيشه وبشعبه المقاوم، وباقتصاده.

إنّ الشعب المتعلّق بزعمائه تعلّقا يبدو أبديا، ولا ينوي بأكثريته الساحقة التخلّص منهم (كما تنوي بعض النُّخَب المستقلّة والعلمانية)، بعدم إعادة انتخابهم، أجل، إن الشعب ينتظر الخلاص على يد الزعماء أنفسهم، وفي أقرب وقت، حتى لو بدا ذلك أمرا غريبا، شبه مستحيل.

لا تَدَعوا الشعب ينتظرُ طويلا، أيها الزعماء، لئلا يبدأ أن يفقد صبره، وها هو قد بدأ يفقده، ولئلا ينتفض انتفاضة واحدة، قاسية، هذه المرة، إنتفاضة سوف تفاجىء الجميع، العدوّ والصديق، الداخل و”الخارج”، ضدّ نفسه أولا، لأنه سكت طويلا عن الظلم والفساد، وقد ضاق ذَرْعًا بذلك، وضدّ كل الساسة الذين خيّبوا أمله باستمرار.

إن الحصاد كثير جدا، وأمّا الفَعَلَة الحقيقيون، الصادقون، فقليلون جدا. كم نتمنّى أن تهبّ في الذات اللبنانية عواصف ثورة حقيقية على الذات، تُذرّي كل الأوراق اليابسة في شجرة الوطن، وتحوّل كل الساسة اللبنانيين، وكل أفراد الشعب اللبناني بجميع نخبه، إلى فَعَلَةٍ صالحين حقيقيّين، يتنافسون ويعملون، معا، بفرح كبير، قلبا واحد، وعقلا واحدا، ويدا واحدة، في حقل وطن الرسالة، لبنان، الوطن القويّ بوحدته، الفسيح بقلوب أبنائه الكبيرة ورؤيا مستقبله المزهِرة المنوَّرة، والغنيّ بطاقات أبنائه الفكرية والروحية، والخصيب بأرضه الطيّبة، الخيِّرة، المِعطاء.