موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

بيروت مدينة «ليبرالية» للكتاب: اسمع تفرح، اقرأ تحزن!

أحمد محسن

 

تثير كلمة «طبقي» الرعب. وتثير الدهشة أحياناً على وجه الليبرالي العربي. وكثيرون مِن الذين هم «بيْن بيْن»، يشعرون أنه مصطلح من زمان آخر. واللافت أنه حين يُقال معرض «بيروت العربي الدولي للكتاب»، لا يستغرب أحد كلمة «دولي» في العنوان، رغم أن الكتب المعروضة هي كتب عربية. وإذ يُقال المعرض «طبقي»، أو صار طبقياً في بنيته ولخدمة الطبقية في أحوالهِ، فإن الشرح اللاحق، قد لا يقنع الليبرالي. لا لشيء إنما لأن بيروت نفسها صارت تُشبِه معرضها، أكثر مما صار هو يُشبِهها

لن تجد كتب مهدي عامل بسهولة في معرض بيروت. من سيقرأ «في الدولة الطائفية» هذه الأيام؟ فهذا النقد لم يعد محطّ سجِال. لم يعد عيباً أن تكون الدولة عبارة عن وعاء لجمع الطوائف والتوفيق بينها. هذه وظيفة سلّم بها الجميع. إنها دولة الطوائف وهكذا تحافظ على نفسها. ومن يدافع عنها وعن قيامها، يدافع عنها انطلاقاً من هنا. هذا الكتاب الذي يقرأه الجميع، ليس من الصنف المفضّل اليوم في معرض الكتاب، ذلك لأن المعرض ليس منفصلاً عن زمنه. والزمن اليوم، هو زمن الدولة التي تتوقف عند وزير من طائفة معينة، وتستمر استجابةً لطلب طائفة أخرى. رغم انقضاء وقت وافر، كتاب مهدي عامل ما زال صالحاً. وكذلك لن تجد كتاباً من صِنف «مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني». لأن التحرر الوطني صار يأخذ أشكالاً أخرى ترنو إلى الشق الابتذالي من الليبرالية، إذ أن الليبرالية بحد ذاتها ليست شراً مطلقاً. وقبل أن تصير المقدمة نفسها رثاءً مبالَغاً فيه للاشتراكية، يجب الانتباه إلى أن التجديد مسألة طبيعية، فالسلف يجب أن يبقى سلفاً. لكن جولة قصيرة على المنشورات المتوقعة وارتقائها بعد الحرب، تدل على أن استبدال التصور الأيديولوجي، بتمثيله الواقعي الاشتراكي الأبرز، لم يكن لحساب نزعات أكاديمية، أو لاستبدال معايير بأخرى. ما حدث في المعرض هو ما حدث في خارجه: انتقل المعرض من رحم بيروت، إلى «سي سايد آرينا». أليس كل شيء طبيعياً حتى الآن؟

 

دلالة الحيّز الجغرافي
في زمانها كانت القاهرة مثلاً بالنسبة إلى إدوار سعيد. مدينة عظيمة والأهم أنها بديلة عن المدن المتروبوليتانية الغربية العملاقة. لقد كانت مدينة عملاقة تقف بالمرصاد في شرق البحر المتوسط ضدّ الجانب الآخر. ولكنها حسب سعيد، والأهم من هذا كله، كانت نقيض الاسكندرية. كانت القاهرة مدينتين، مدينة التاريخ الفرعوني، ومدينة أفريقية تعرف معنى النضال ضدّ الاستعمار. ما تبقّى من صورة القاهرة حين تحدث عنها سعيد، تبقّى من صورة بيروت، عندما كانت تصارع بين كوزموبوليتية تقرّبها من روح الاسكندرية، وبين وجود فلسطيني فيها أضاف إليها ضرورة رفض الكولونيالية، بدلاً من التباهي بتناسل الاستعمار بصيغ محلية. بعد الحرب، والحديث يطول، جاءت الحقبة التي أنهت كل شيء: أنهت دور المركز وما حول المركز.

برحلةٍ هادئة ومتثاقلة، انتقل معرض الكتاب إلى الطرف، بدون مواصلات، بدون إرث حقيقي ينم عن علاقة طبيعية بين المنتج والمكان، كتتويج لماهية هذا المنتج الذي يجب أن يكون لبيرالياً كالإطار الذي يستقيم فيه سنوياً: المعرض. مِثل أماكن كثيرة من العالم، هنا، امتدت الحداثة فوق المدينة المتخيّلة ولكن بلا جسور. وهكذا انتشرت الكتب على الرفوف، لكن، لا قراء. فالزوار يأتون لكنهم يأتون إلى «الواجهة البحرية». الناس يأتون إلى المعرض أفراداً، ولم يعودوا يأتون كجزء من جماعة. جماعة لديها إحساس مشترك أو وعي مشترك. والجماعة مثل الطبقة. كلمة تخيف الليبرالي الذي لا يحب الأنتروبولوجيا. والجماعة، في النهاية، كما يحددها غورفيتش، هي وحدة جمعية حقيقية، قابلة للملاحظة على نحو مباشر. أما ما يجمعها، فهو مواقفها «الجمعية» المستمرة. وهذا يلاحظ في «الدولة الطائفية»، ولا يُلاحظ في كتاب ينتقد الدولة الطائفية. الجماعة، كذلك، تسعى لتحقيق هدف مشترك، على أساس وحدة من المواقف، ووحدة من المهمات والسلوك، ولذلك تشكّل إطاراً اجتماعياً بنيوياً، يرنو إلى التماسك النسبي في مظاهر الحياة الاجتماعية. ما يهمّنا، هو أن الجماعات ليست مجموعات منتقاة من الأفراد المتجانسين (يسمّيها غورفيتش فئات اجتماعية مندمجة تحت تأثير سمات بسيطة)، أو تجمعات عفوية من الأفراد (مثل الحشد والحفل)، وطبعاً ليست منظمات لديها أهداف عامة وبعيدة، كالنقابات مثلاً. ما يمكننا أن نتحدث عنه هو نظام ثقافي للجماعة، فلكل جماعة محددة ثقافتها الخاصة، وهنا يمكن أن نتحدث عن ذهنية الجماعة. وهنا، يمكننا الحديث بأريحية أكثر عن «أمزجة الجماعة» إذ نتحدث عن الكتاب ــ السِلعة، وعن ذهنية الدار الناشِرة (ليس جميع الدور قطعاً)، وعن ذهنية الزوار (ليس جميع الزوار). ما الذي يبحثون عنه في معرض الكِتاب؟ هل من حاجة للاستطلاع مجموعة من الآراء التي سيكون أغلبها زائفاً ومتباهياً بما يدعو للتباهي إنما يبعث على ضحكٍ متواصل؟ الأصح، غالباً، استعراض بعض الوجبات على قائمة المنشورات.

منشورات غب الطلب
باستثناء ما ينشره الكتاب المحترمون كفواز طرابلسي وأحمد بيضون وغيرهما، فإنه لا جديد في المنشورات. وليس القصد استعراض الأسماء ورصفها لكيل المديح، إنما لأن الاستثناء ضرورة، عندما يكون الحديث عن الكتاب كأداة معرفية. والاستثناء هنا مهما اتسع مداه أم تراجع، فإنه يبقى محصوراً بجيلٍ حافظ على التزامات تتباين في حدتها وشدتها، لكن الابستيمولوجيا تبقى معياراً صالحاً لقياسها. في المقابل، ليس الاعتراض على ظاهرة «الميديا الجديدة»، بقدر الاعتراض على تفشّي الظاهرة في الحيز العام، حتى صار الحيّز محكوماً بأنماط الإنتاج في السوشال ميديا. أي أن ما هو رائج على «فايسبوك» تستسهل الدُور ترويجه، مثل كتب من نوع «كيف تكون سعيداً»، و«كيف حدث ما لم يحدث».

المفكرة اللبيرالية، التي تعمل على أساسها بعض الدُّور، أصبحت مهيمنة، على حساب التوجهات القديمة، لدور رائدة مثل «الطليعة»

لطالما كانت كتب «البيست سلر» قابلة للبيع. عشرة أيام هزت العالم، وأشياء من هذا القبيل. لكن، المفكرة اللبيرالية، التي تعمل على أساسها بعض الدور، أصبحت مهيمنة، على حساب التوجهات القديمة، لدُور نشر رائدة مثل «الطليعة» وغيرها. ولهذه الأسباب، يتصدر «همس النجوم» لنجيب محفوظ قائمة أهم منشورات «الساقي» مثلاً. وليس ضرورياً التوضيح هنا أن هذا ليس نقداً لمحفوظ، إنما هو تذكير بهويته الليبرالية. واحدة من تلك الهويات التي بُنيت بتأنٍّ. ليس غريباً، أيضاً، أن تكون كتب محمد شحرور وإنتاجاته الغزيرة، هي المرجعية في الإسلاميات، في الدار نفسها، إلى جانب كتب محمد أركون. فالثاني ليس امتداداً للأول ويستحال أن يكون كذلك، بل هو منقطع عنه، انقطاع النص المترجم عن الأصل. وليس غريباً، في مدينة ليبرالية، أن يكثر الحديث عن «رياح التغيير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». والتسمية استعمارية تستخدمها الجمعيات بخفّة إنتروبولوجية ترتكز إلى التصنيف الكولونيالي الخبيث. وطبعاً، لماذا يكون غريباً أن يكون ثمة كتاب عن «جهاد النساء» بصيغة هشة. و«الساقي» ربما أنضح مثال والأكثر تصالحاً مع مفكرته الليبرالية. حالها حال كتب الشخصيات التي «يطلبها الجمهور»، وأصحاب «الفانز» ونجوم التلفزيون، الذين تُصدِر «هاشيت أنطوان» كتبهم، إلى جانب الكاتبة التي «تكسّر» أرقام المعرض وتطحنها دائماً، أحلام مستغانمي. ما ذنب كل هؤلاء إن كانت بيروت مدينة تشبههم وتطلبهم، ولا تطلب الرصانة. ليس لهم ذنب، ومن إيجابيات الليبرالية هو ادّعاء الحرية. حتى «الفارابي» صار ليبرالياً: «ادفع، تطبع». وعلى رفوفه، في مكانٍ بعيد، ستجد مهدي عامل. لكن في قائمة «صدر حديثاً»، ستجد عنواناً رأسمالياً في الدار الشيوعية: «السياحة المائية في أهوار العراق». وبدلاً من موجة «شعراء الجنوب»، بمعزل عن تحولاتهم الشِّعرية والسياسية، ستجد كتاباً بعنوان: «شفاه في مهب قبلة». وأكثر من ذلك، قد يُصدم الناظر في كتاب عن علم الجندر تتصدر غلافه صورة بأبعاد سيميائية في غاية الذكورية. في النهاية المعرض معرض، والطبقة المهيمنة، تفرض ما تفرضه. ليس غريباً أننا في دولة طائفية، استفحلت فيها الرأسمالية وهيّمنت على الإنتاج حتى المعرفي منه، الغريب هو التصالح مع ذلك في كتاب، أو معرض كامل للكتب. وحتى الفكرة الأخيرة، ليست غريبة. الزمن هو الزمن، ولا يمكن العيش خارجه. والمكان، صرنا نعرفه. تبقى القليل: من هي الطبقة المهيمنة؟

دايفد هارفي في بيروت
الطبقة ليست كلمة دلالية بحدّ ذاتها، إنما تحيل إلى أكثر من فهم، وأكثر من تفسير. فالذي كان شائعاً في باريس خلال السبعينيات عن خلاف جان بول سارتر مع الطبقة العليا، لا يصحّ في أي مكان في العالم اليوم، وليس في باريس فقط. واستعادة هذا الخلاف، سببه أنه كان حول الكِتاب. كان سارتر عدو الطبقة المهيمنة ولكنها كانت القادرة على القراءة. ومعنى القراءة هنا هو الفهم، لا القراءة المجرّدة بحد ذاتها، بحيث يتّخذ لفظ القراءة بحد ذاته بعداً هرمنوطيقياً. وعلى ذات البعد، الفهم المقصود هو الأرضية التي تقوم عليها المعرفة، بما هي منتج سلطوي، وهذا كما يخطر في بال الجميع يحيل فوراً إلى ميشال فوكو. ما يحدث اليوم، في معرض الكتاب، هو استمرار لآليات معرفية منتجَة على أساس السُّلطة. فما هو داخل المعرض، هو انعكاس لما يحدث عن خارجه. ويستحال أن يكون المعرض قفصاً معزولاً يتخيّله المحبّون والمريدون مورداً لتبادل لما يفترضون أنه ثقافة. المعرض كحدث له محددات. ليس أولها الحيّز الجغرافي ولا آخرها الكتب بوصفها سِلعاً، فبينهما الدور العارِضة، والمتفرجون والمشترون ليسوا أشخاصاً محايدين، إنما هم يأتون من المدينة التي يحمل المعرض اسمها.

ما يحدث اليوم، في المعرض، هو استمرار لآليات معرفية منتجة على أساس السُّلطة

وكما يتجول المتفرج بين الرفوف، ويجد التشابه، سيجد هذا التشابه خارج المعرض: تتراجع القضايا الكبيرة، لحساب نزعة فردانية متواصلة. وإن كان الجميع يعرف، أن سارتر الذي «أكل» سمعة أكاديمي فذّ مِثل ريمون آرون في زمانه، ليس من الصنف الذي يحبّه العالم اليوم، فإن أحداً لا ينتبه إلى أن الكتب التي تنتجها بيروت، تشبه كثيراً ما أنتجته بعد الحرب من أحزاب وطوائف ومهووسين بالانتماء إلى العولمة. في فرنسا حديث سجال طويل عن أزمة المثقف الفرنسي وموته، لكن هذا ليس مهماً. ما هو مهم، أن انحسار الثقافة ليس بيروتياً فحسب، لكي لا يكون هذا «جلداً» للمعرض الذي يبقى حدثاً. والأحداث كثيرة هذه الأيام. يبقى أن تعريف الطبقة العليا، كما يقول دافيد هارفي، يختلف هذه الأيام عن تعريفاتها السابقة. ثمة انفتاح في فرص الابتكار والمغامرة للكسب في المال والأعمال، كما ظهرت هيكليات جديدة للعلاقات التجارية، ما أفسح المجال برأيه، لظهور مراحل وعمليات تشكّل طبقي جديدة جوهرياً. وأهم ما يشير إليه هارفي، في مقاربته، حول الليبرالية الجديدة، هو الثروات الهائلة التي تحققت في قطاعات جديدة، أهمها التكنولوجيا الجديدة وتكنولوجيا المعلومات. وهذا النقاش المتأخّر، ربما يمكن استعارته، كإسهام في تحديد الطبقة المهيمنة على إنتاج الكتاب. في بيروت، بما أننا نتحدث عن بيروت، لن تجِد كاتباً ــ بالاتفاق معه وبالاختلاف ــ مِثل مهدي عامل اليوم. وتالياً، لن تجد كتباً مِثل كتبه. معرض بيروت يعجّ بالمنشورات والألوان والمهتمّين، لكن الكتّاب قلة. والكتب نتاج موقعها في المدينة وأهلها والزمن الذين هم فيه. والمعرض على أطراف بيروت ومِنها. ولهذا نتحدث طوال الوقت، بزهوٍّ، عن معرضٍ ناجح لكتبٍ بألوان كثيرة.

 

جريدة الاخبار