موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

الجذور المخابراتية والاستعمارية لمصطلحات -لبرالية- شائعة\ الثورات الملونة.. والإرهاب

علاء اللامي: كاتب وباحث من العراق

كالثورات الملونة و”الإرهاب” و”القوى الناعمة” و”ثقافة الكراهية” و”المجتمع الدولي” و”الدول المارقة” و”الشرعية الدولية”: مصطلحات كثيرة ذات جذور مخابراتية وعسكرية وسياسية استعمارية غربية دخلت في الخطاب السياسي الغربي المعاصر وأصبحت جزءا وطيدا منه ثم أصبحت سائدة في الخطاب السياسي والنثر الإعلامي السائد في العالم. ينظر إلى هذه المصطلحات -عن جهل بريء أو ترويج تجهيلي مقصود- كمصطلحات محايدة وهي ليست من الحياد العلمي والسياسي في شيء، ولهذا تحتاج هذه المصطلحات إلى وقفة غربلة تحليلية كاشفة لجذورها ومن هذه المصطلحات والعبارات: الثورات الملونة، القوى الناعمة، الإرهاب، الدول المارقة، المجتمع الدولي، الشرعية الدولية، القانون الدولي منظمات المجتمع المدني، ثقافة الكراهية…الخ. وهذه مهمة كبيرة تحتاج الى جهد ووقت وتنظيم ولذلك سأكتفي بإلقاء الضوء على مضمون هذه المصطلحات وجذورها مع التوثيق المتاح:
الثورات الملونة: أطلق هذا المصطلح على تظاهرات سلمية، بعضُها بدأ عفويا وشعبيا ثم تمت السيطرة عليه وتوجيهه وجهة معادية لدول وشعوب رافضة للهيمنة الغربية الإمبريالية وبهدف ترويض وخنق الدول والحركات الشعبية القاعدية الطامحة للاستقلال السياسي والاقتصادي.
القوى الناعمة: مفهوم ومصطلح صاغه الباحث الأميركي جوزيف ناي (عميد كلية جون كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد. أسس بالاشتراك مع روبرت كوهين، مركز الدراسات الليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية. وتولى عدة مناصب رسمية منها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني). في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان “مقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية”. قام بتطوير المفهوم في كتابه الصادر عام 2004 بعنوان “القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية”، يستخدم المصطلح حالياً على نطاق واسع في الشؤون الدولية من قبل المحللين والسياسيين. والدول الناعمة تشمل منظومة واسعة من النشاطات والمنظمات القاعدية الثقافية والنسائية والرياضية والفنية ومواقع التواصل الاجتماعي وتسيسها واختراقها بجيوش إلكترونية مأجورة وذات أهداف وأنشطة تخريبية بطيئة وتراكمية لتحقيق أهداف غربية استعمارية تقليدية أو إمبريالية عنصرية ذات نزوع فاشي وصهيوني مضمر أو معلن… في الحلقة القادمة نتطرق للترجمة الخاطئة لمصطلح “الإرهاب” ودلالاته ومصطلح “الدولة المارقة” ومعناه وإطاره.
الإرهاب: وهو مصطلح قديم نسبيا ويعود إلى فترة الاستعمار البريطاني للهند وحتى إلى ما قبل ذلك. وقد كان العسكريون الاستعماريون البريطانيون يطلقونها على المقاومين أو الممتنعين عن التعاون معهم وقد ارتكبوا مجازر مريعة وصفها كارل ماركس بمقولته الشهيرة (لقد حول البريطانيون سهول الهند الخضراء إلى سهول بيضاء لكثرة عظام الضحايا الهنود وأصبح القتل بدم بارد هو الرياضة الشعبية البريطانية الأكثر ممارسة هناك/ اقتبسها تشومسكي في كتابه 501 عاما والغزو مستمر).
وقد ترجم هذا المصطلح إلى العربية خطأ منذ البداية، لأن جذره في اللغات الإنكليزية والفرنسية وسائر اللغات اللاتينية هو ما يقابل الجذر العربي “رعب” وليس “رهب”، فهو في الإنكليزية (TERROR) وفي الفرنسية (TERREUR) وجذر الكلمة الثلاثي في العربية “رعب” البالغ درجة الشلل الجسدي نتيجة الرعب كما يقول تعريف الكلمة بالإنكليزية والفرنسية، أي أن ترجمته الصحيحة إلى العربية هي “الإرعاب” وليس الإرهاب.
أما تاريخيا وبالدراسات الموثقة والقائمة على علم التسلسل الزمني (كرونولوجيا Chronology) أن الإرعاب، أو “الإرهاب” في الترجمة الخاطئة الشائعة والتي أمست رسمية، هو بضاعة رومانية غربية استعمارية قديمة، مضمونها معاد للحياة والجمال والاختلاف والتنوع والطبيعة الكونية نفسها، وبلغت هذه النزعة الإرعابية ذروتها حروب استعمارية إبادية خاضها الغربيون الآريون البيض في أغلب القارات، فأبادوا شعوبا وأمما بكاملها كشعوب السكان الأصليين “الهنود الحمر” في الأميركيتين وأستراليا وفي مجزرتي هيروشيما وناكازاكي النوويتين الأميركيتين ضد اليابان، اللتين راح ضحيتهما ربع مليون إنسان في ساعات قليلة. صحيح أن التاريخ البشري ملطخ كله بالدماء والعنف والحروب والخراب بأيدي بني البشر منذ بدء الخليقة وحتى الآن ولكنه يمثل خصيصة رئيسة في السردية التاريخية الآرية الرومانية خصوصا. وكثيرون هم أولئك الذين وصمهم الإعلام والسياسة الغربية الاستعمارية بصفة الإرهاب من قادة وزعماء حركات التحرر ولا فرق بين من اعتمد اللاعنف والتحرك السلمي كمحرر الهند المهاتما غادي أو بين من اعتمد أساليب الكفاح المسلح لتحرير شعبه ووطنه من أمثال جيفارا ومانديلا وعرفات، بل أن رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر ظلت تصف مانديلا وحزبه بالإرهابي حتى بعد أن توقف نظام الفصل العنصري عن وصفه بذلك الوصف وبدأ التفاوض معه في السنة الأخيرة من حكم تاتشر الفائزة بوسام الحرية الأميركي، وظلت الولايات المتحدة تعتبر مناديلا إرهابيا وممنوعا من دخولها حتى بعد انتصاره، ولم يرفع اسمه واسم حزبه من قائمة “الإرهاب” إلا قبل زيارته إليها بدعوة من الرئيس كلينتون بفترة قصيرة!
الدول المارقة: شاع هذا المصطلح في عهد آل بوش “الأب والابن” في رئاسة الولايات المتحدة، ولكن بعض المؤرخين يعيدونه إلى عهود أقدم من ذلك بكثير ويعودون به إلى عهد تأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدسة في القرن العاشر الميلادي (862 م) من قبل أتور الأول بن هانريش الأول الذي كان يصف به الإمارات والدول والشعوب الصغيرة التي كانت تتمرد على الاستعباد الروماني. والمقصود الحَرْفي بهذا المصطلح هو (الدول المتمردة على المجتمع الدولي والشرعية الدولية)، أما المقصود الفعلي والعملي فهو الدول الرافضة والمقاوِمة لهيمنة وعدوان الدولة الأميركية والدول الغربية الإمبريالية الأخرى، وقد يشمل حتى التي تختلف في التفاصيل مع المتروبول الغربي وتخضع له في الخطوط العامة. تشمل القائمة الأميركية للدول المارقة اليوم مثلا كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وكوبا وسوريا وغيرها.
أما دولة الكيان العنصري الصهيوني “إسرائيل” والتي رفضت الانصياع أو تنفيذ أو حتى مناقشة أكثر من أربعين قرارا للأمم المتحدة ومجلس أمنها منذ أولها وهو (قرار رقم 57 صدر هذا القرار بتاريخ 18 سبتمبر 1948 الخاص باغتيال الصهاينة للوسيط الدولي الكونت برنادوت) وحتى القرار الذي يحمل رقم أربعين أي (قرار رقم 2334 لعام 2016 بتاريخ 23 ديسمبر الذي حث على وضع نهاية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية)، أما هذه الدولة العنصرية المسخ فهي خارج نطاق الدول المارقة بل هي جزء من المجتمع الدولي والشرعية الدولية!
*تصدى كتاب تحرريون ولبراليون تقدميون لهذا التعريف الزائف للدول المارقة، وكشفوا جوهرة الحقيقي. فالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي توصل تحليليا إلى أن (الولايات المتحدة تكون هي دولة مارقة بعد أن مارست التعسف في استخدام السلطة، وليس التعسف في استخدام الحق أو القانون الدولي، بل -في رأي دريدا- أن هذا التعسف صار قانونا بذاته بالنسبة للولايات المتحدة/ مقالة له في سنة احتلال العراق، في جريدة (لوموند ديبلوماتيك)، كانون الثاني،2003).
*والمفكر الأميركي نعوم تشومسكي الذي ألف كتابا بعنوان “الدول المارقة – استخدام القوة في الشؤون الدولية” (تجدون رابط لتحميل ترجمة الكتاب الى العربية في التعليق الأول وهو كتاب مهم وتأسيسي وأشبه بمكتبة شاملة في ميدانه). وهذا الكتاب كما يصفه نيلج فويس هو كتاب لمعالجة ما يمكن تسميته (فقدان الذاكرة الاختياري أو الطوعي، يفضح تشومسكي فيه التكتيكات التي يلجأ إليها الأقوياء لإبقاء السلطة متمركزة والناس خاضعين مذعنين). في الحلقة القادمة نتوقف عند مصطلح ” المجتمع الدولي” والشرعية الدولية… يتبع قريبا.
#الجذور_الاستعمارية_لمصطلحات_لبرالية_شائعة.

رابط تحميل كتاب ” الدول المارقة ” لنعوم تشومسكي:
http://mosnad.com/library/Mosnad9777.pdf

 

 

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com