موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

عيد الإستقلال، 22 تشرين الثاني، 1943.

بقلم إيلي أنطون شويري

منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، لم يعرف لبنان استقلالا كاملا حقيقيا، إنما خَبِرَ مجموعة استقلالات مؤقتة، قصيرة الأمد، بين غزوة وغزوة لهذه الأرض، وبين احتلال واحتلال لها. وكان بعض اللبنانيين يسكرون دائما بوهم هذه الإستقلالات، خاصة بعد نيل الإستقلال رسميا (22 تشرين الثاني، 1943) ، وما زالوا، حتى الساعة، يسكرون بالوهم عينه.

إننا، بمعظمنا، ساسة وشعبا، نوهم أنفسنا، ونحن نعيّد عيد استقلالنا، بأننا أحرارٌ، من باب العنفوان التاريخيّ واللياقة الإجتماعية. إننا ما زلنا في طور استحقاق الإستقلال، بقدر ما نجاهد ضدّ كلّ من يحتلّ ليس فقط أرضنا، بل ارادتنا الوطنية.

نحن، اليوم، نحتفل بعيد الإستقلال من جديد، بعد 75 سنة على ولادته. فليسألْ كلُّ لبنانيّ نفسه:

هل أنا مستقلّ وحرّ؟

هل وطني لبنان مستقلّ، سيّد، حرّ؟

هل أنا صاحب قراري من خلال من انتخبتهم ليمثلوني في الحكم ويعملوا من أجل حمايتي ضدّ التدخلات الغريبة المتواصلة، منذ الإستقلال حتى اليوم، في شؤون الشعب اللبناني، وضدّ الفقر والجوع والعوز والفتن والتفرقة والطائفية والتعصب والجهل والمرض والتلوّث والبطالة والهجرة والموت المبكر والأزمات والفراغات الحكومية الموسمية، المفتعلة، العبثية؟

قليلون يجرؤون على القول: لا! قليلون يجرؤون على لفظ هذه الكلمات: إن وطني غير مستقل وغير حرّ وغير سيّد على نفسه!

الحقيقة أن اللبنانيين ليسوا بالغباء الذي يجعلهم يصرخون باقتناع كامل: نعم، نحن مستقلون، نحن احرار، نحن أسياد على أنفسنا! إن معظمهم، مراعاة لشعور وكرامة زعماء طوائفهم، يحاولون التستير على تقصير هؤلاء تقصيرا هائلا، معيبا، في بناء وطن موحَّد، مستقل، سيّد، حرّ. وإن قالوا شيئا، فإنهم يقولونه همسا. إن الذين يجرؤون على التعبير عن رأيهم، يكرِّرون، علنا لا في سرّهم، كلّ سنة، في مثل هذا اليوم، التسمية التالية: إنه عيد الإستغلال (إستغلال الساسة للشعب)، لا الإستقلال.

كلنا نفهم الأوضاع المأساوية الحزينة والمقلقة، التي عاشها أجدادنا وآباؤنا قبل الإستقلال وبعده، بشكل متواصل، والتي ما نزال نعيشها حتى اليوم.

وكلنا نفهم أنه لا ينبغي التهكّم والإستلشاق والمزاح في الأشياء التي تعني كرامتنا وتاريخنا ووجودنا ومصيرنا وعنفواننا الوطني والقومي.

علينا، في هذا اليوم، أن نقبل، دون غضب، ورغم كل قهرنا وعذابنا وعدم قدرتنا على التصفيق والإبتسام، ورغم عدم اقتناعنا بتكاليفها وبجدواها، بكل تقاليد الزينة والإستعراضات والطقوس والشعائر الوطنية وتبادل التهاني بين الساسة والعسكر ورجال الدين و”الفاعليات” والنخب اللبنانية على أنواعها، وتلقي المسؤولين التهاني من رؤساء الدول، وعلينا أن نحترم تلك التقاليد، ونعلّم اولادنا على احترامها.

وعلينا أن نحترم الساسة والزعماء، العتاق والجدد، رغم ملامتنا الشديدة لهم على إخلالهم الدائم بوعودهم في خدمة الشعب واحترامه، وعلى انهماكهم المهووس بتكديس الثروات والرجال والسلاح والأمجاد، وبإفقار الشعب وإذلاله. وعلينا، حبّا بالوطن، بمحاسبتهم، علنا، على أخطائهم، وعدم انتخابهم مرة أخرى، إن أصروا على ضلالهم، في الإنتخابات القادمة. وعلينا أن نحمل، بجدّية، مسؤولية فهم ووعي وتطبيق معنى الحكمة القائلة: كما تكونون يُوَلَّى عليكم.

وعلينا ان نعود إلى نشيدنا الوطنيّ وندرسه من جديد، بالمقارنة مع كل اناشيد الشعوب الوطنية، لنكتشف، من جديد، معانيَه السامية، الفريدة، ولنكتشفَ، أيضا، أنه، ودون أية مبالغة، أجمل نشيد على الاطلاق! فَلْنُلَقِّنْهُ، إذاً، لأولادنا، ولنُطبِّقْه في حياتنا اليومية. ولْنُنَمِّ، في نفوسنا، لا حبّ وطن مبهم إسمه لبنان، بل حبّ أرض مقدسة، وشعب طيّب، وجيش أبيّ، وفيّ.

وعلينا أن ندعم جيشنا، دائما، ونشكره على كل تضحياته الجسام في سبيل الدفاع عن الوطن، وعلينا أن نثمِّن عمله المبارك، بمناسبة عيد الإستقلال، في زرع 7500 شجرة أرز في محميات لبنان.

وعلينا ألّا ننسى المقاومة التي أعطتْ، إلى جانب الجيش، بصمت ودون منّة، الإستقلالَ، قيمة ومعنى لم نعرفهما من قبل، وأصبح لبنان، بفضل قوتها وتضحياتها وشهدائها وجرحاها، وإنجازاتها في مواجهة العدوّ الصهيوني وإرهابيّيه، وطنا مُستَهاباً، يُحْسَبُ له ألف حساب، وينبغي التعامل معه بحذر واحترام، من قبل الأعداء والأصدقاء على حدّ سواء.

فلنعيّد، اذاً، عيد الاستقلال، مخاطبين إياه في أعماق أنفسنا، بترداد أبيات شعر وجدانية، رائعة، لأبي الطيّب المتنبّي، ولكنْ دون تأسّف وكآبة:

“عيدٌ بايّة حال عدتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ
أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونَهُمُ فليتَ دونكَ بيداً دونَها بيدُ”.

إن التجديد الذي ينبغي أن يعيشه كل لبنانيّ، اليوم، في أجواء عيد الإستقلال، هو تجديد حبّنا الصادق للأرض والشعب والجيش والمقاومة، وللحياة. ولنترك ما مضى، فقد مضى، ولا نحاولنّ إعادته، ولا ننظرنّ إلى الوراء. ولتكن وجهة نظرنا وسيرنا إلى المستقبل الزاهر، الواعد.

والتجديد الآخر الذي ينبغي أن ينعم به كل لبنانيّ، اليوم، هو أنّ هذه الحبّ الصادق لا بدّ أن يزيل الصحاري (صحاري الخوف والحذر والشك والحقد والكيدية والتنافس والنفور) التي ما زالت تفصل وتباعد بين اللبنانيين، شعبا وساسة. وهكذا، لا نعود نحزن ونتألم ونشتكي من أن هذه الصحاري تفصلنا عن الأحبّة، أي عن شركائنا في الوطن، وتنغّص علينا فرحة العيد.

بهذه الروحية الطيّبة، الجديدة، فلنعيِّد، بفرح وأمل وتفاؤل، عيد الإستقلال، بين استقلال غير كامل، فيِ الواقع، واستقلال كامل ومثاليّ، سوف نظلّ نجاهد، بقوّة وحبّ وصبر وصدق، شعبا وساسة، من أجل تحقيقه، ونحن في حرقة الإشتياق الدائم إلى استحضاره واستضافته وحضنه إلى الأبد.