موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

لبنان، وطن “الرسالة” أم “الميثولوجيا”-هل من أمل للشعب اللبناني بتحقيق ذاته

إيلي أنطون شويري

ثمة أمل كبير بتحقيق رسالة هذا الوطن، لبنان، الغنيّ بتنوّع مكوّناته الإنسانية وتراثها الروحي والفكري والأدبي والفنّي، في هذا المشرق المضطرب. إنها الرسالة التي نطمح إلى تحقيقها، رسالة السلام والحبّ والعدل والمشاركة في الحياة الكريمة بين جميع أبنائه، في كنف وحضن دولة قانون ومؤسسات قوية، في أرض خصيبة حباها الخالق بجمال رائع.

هذا الوطن المثالي الذي نحلم به في أدغال عالم متوحّش شرير، يمكنه أن يكون نموذجا حيّا لكل الشعوب المتخاصمة، ومثالا أعلى يُقتدى به. تبدو هذه الفكرة، على جمالها وبراءتها، ساذجة جدا، ويبدو هذا الأمل ضعيفا جدا، في معظم الأحيان، لفرط ما للشرّ (شرّ المال والقوة والحقد والسلاح والحروب) من انتشار واسع وسلطة قوية في كل مكان، ولأن رسالة لبنان، كما نتمناها، هي رسالة خير وحب وسلام وعدل. رسالة الشر هي رسالة زرع فتن، ورسالة طمع وظلم واستعباد وقتل ودمار.

نعم، ثمة بارقة أمل ليكون ويصبح لبنان وطنا يجسّد ويحمل رسالة خاصة تميّزه من سائر الأوطان، رغم أن الأمر يبدو، أحيانا، ليس ضعيفا وحسب، بل وكأنه مستحيل، لأن اللبنانيين، شعبا وساسة، لا يتصرفون، مع بعضهم البعض، ومع حكومات الدول، على هذه النيّة، وعلى هذا الأساس. ولو فعلوا وتوحّدوا وراء فكرة الوطن الواحد لبنان، حامل الرسالة الحضارية والإنسانية الفذّة، ولو حاولوا معا، قلبا واحدا، ويدا واحدة، وعقلا واحدا، وبذلوا الجهد الصادق في سبيل إقناع الدول الكبرى ومنظمة الأمم المتحدة (رغم خضوعها للصهيونية) بجدوى وقيمة دورهم، وبضرورة تحييد الوطن المسالم لبنان عن كل الصراعات السياسية والإقتصادية والعسكرية التي تفوق قدرته على التحمّل، لكانوا، ربما، استحقوا لعب هذا الدور، ولكانوا، على الأقلّ، ودون أدنى شك، خفّفوا كثيرا من تدخّلات الدول السلبية، المؤذية، في شؤون الوطن اللبناني المنقسم دائما على ذاته، ولكانوا خفّفوا الكثير من المصائب والويلات على وطنهم، ولكان الشعب اللبناني نَعِمَ وتمتّعَ بشيء من الوحدة والسلام والطمأنينة والإزدهار والكرامة، رغم كل الأجواء غير الطبيعية، الخطرة والمخيفة، المحيطة به.

لا، لم يَفُت الأوان بعد، مهما بدا الجوّ مكفهرا وميؤوسا منه. نصرخ هذه الصرخة من الأعماق، من وحي الأمل الحيّ النابض في قلوبنا. إنّ الأمل ببناء وطن الرسالة ما يزال مشروعا قيد البناء والتحقيق في قلوب بعض اللبنانيّين، وهم ينتظرون الظرف الملائم لإكماله بنقل العدوى إلى جميع أبناء الوطن. بالفعل، إن أهمّ الظروف الملائمة هي ساعة ينجحون في إقناع سائر شركاء الوطن (قبل إقناع الدول المستقوية، الشرسة، الكاسرة، وربيبتها المطيعة لها، الأمم المتحدة)، بفائدة وطن الرسالة وبمعناه السامي الحقيقي، والقبول به قبولا نهائيا، وتوحيد جميع أبناء الوطن حول هذه الفكرة. في الوقت الحاضر، يبدو الأمر، بالإضافة إلى عدم نضوج الفكرة في قلوب كل اللبنانيين، غير واقعيّ أبدا، لا بل أضغاث أحلام، بوجود الأحوال الصعبة والمخاطر الكبيرة على جميع شعوب المنطقة من تيار “العولمة” و”الفوضى الخلّاقة” المتوحّش، الجارف، وبنوع خاص على لبنان، والتي تشبه الجحيم باشتعال نارها المتواصل.

إن لبنان وطن غير موحّد لا بساسته، ولا بشعبه، ولا بأحزابه، ولا بطوائفه، ولا بأهدافه وأساليب التفكير والعمل. كل فريق يدّعي أن له “حيثيّة” خاصة جدا ومهمّة جدا، وأن له قومية أو هوية “تاريخية” عريقة جدا، ومرتبطة بالتاريخ القديم أو الجديد، ومختلفة عن الفريق الآخر ومُمَيَّزَة منه، وهو غير مستعد أن يتخلّى عنها، وأن يذوِّب نفسه في “هوية” الآخرين. ولم ينجح أي حوار بتحقيق أي تفاهم حول هذا الموضوع، منذ الإستقلال حتى اليوم. لذلك بقي لبنان وطنا ممزَّقا، ضعيفا، مُستهدَفا من الدول التي تحتقر “الحيثيّات” و”القوميّات” و”الخصوصيّات” العائلية والطائفية والتاريخية المجيدة التي يتغنّى وينتشي بها اللبنانيون ليلا نهارا، ولا تؤمن إلا بالحاضر والمستقبل، وبالمصلحة الذاتية والمال والتسلّط، وبالتكنولوجيا والعنف والخبث والدهاء لتحقيق أهدافها. هذه الدول قد نجحت، خاصة في لبنان، عبر تاريخه القديم والحديث، في ممارسة وتطبيق، وعلى أكمل وجه، النظرية “العلمية” التاريخية البسيطة والشهيرة، وذات الفعاليّة الحتميّة التي لا تخطىء، المتّبعة منذ فجر التاريخ حتى اليوم، بشكل غرائزي، ذكيّ، مُنَظَّم، من قِبَلِ قادة الشعوب، من أجل غزو شعوب أخرى والسيطرة عليها بأسهل الطرق والوسائل، ألا وهي نظريّة “فَرِّقْ تَسُدْ”.

فهل من أمل لوطن يريد بعض أبنائه الأبرياء و”الساذجين”، أن يحمل رسالة حبّ وتفاهم وسلام في هذا العالم الذي يحرِّكه جنون المال والتجارة والربح والكبرياء والعظمة والسلطة والسيطرة والإستعباد والعنف والحروب، وهو وطن لا شغل شاغل لشعبه ولزعمائه إلا البحث العبثي، غير المجدي، عن هويات مبهمة، وقوميات وهمية، وأصول تاريخية، والتقاتل المستميت حولها، وإلا التنافس العنيف، المتوحّش، على تناتش وأكل الأخضر واليابس في كل مرافق الحياة والعمل، وفي تقاسم حصص الحكم بحسب ثقل الوزن وضخامة الحجم الشعبيَّين، في حفلات متكرّرة، معيبة، لتنازع البقاء، وإثبات الوجود، على حساب وطن ينازع بشعبه وأرضه، ويوشك، بين لحظة ولحظة، أن يصبح بأسره في خبر كان، وفي عالم الميثولوجيا؟

من جديد، ثمّة أمل، ولكن بالإتكال على أنفسنا قبل الإتكال على السماء. الحبُّ والسلام والوئام والإتفاق والوحدة هي عطايا سماوية بين أيدينا، ولكن، من واجبنا نحن أن نُحْسِنَ استعمال هذه العطايا والحفاظ عليها.

فهل، يا ترى، يُحْسِنُ الساسة المتكبرون، المنغمسون من الرأس حتى أخمص القدم، في بُؤَرِ تكديس المال بكل الطرق غير المشروعة وعبادته، وفي الزحف الأعمى والتبعية والإستعباد لمراكز المال والقرار الإقليمية والعالمية المشهورة، وفي اللعب على أوتار مشاعر الشعب (العائلية والمذهبية والعرقية والقومية) الشديدة الحساسية، وفي جحيم احتقار وشتم بعضهم البعض، وفي فرض الضرائب على الشعب الفقير، والذين لا يحسنون، وحدهم، دون مشورة أوصياء الخارج، انتخاب رئيس للجمهورية، مثلا، أو اختيار رئيس للوزراء، أو تأليف حكومة، أو استخراج النفط والغاز من بحر لبنان، أو الحفاظ على البيئة وعلى صحة الشعب، إلخ… أجل، هل يُحْسِنُ الساسة هؤلاء استعمال عطايا السماء من أجل إنقاذ الشعب اللبناني، وإنقاذ أنفسهم أيضا، وقبل فوات الأوان، من الغرق كليا في مستنقعات خلافات ومشاكل وأحقاد وأحزان آسنة، مستنقعات هم أنفسهم ساهموا في خلقها وفي إغراق الشعب فيها؟

هل يعي الشعب اللبناني وحده، يا ترى، في خضمّ صراعه من أجل البقاء، حقيقة الأمور، ويعمل شيئا ما وحده، وبكل فئاته، من أجل تخليص نفسه من الهلاك المحتّم؟

هل تلعب النخب الفكرية والأخلاقية والروحية والإقتصادية والتربوية والإعلامية دورها المفترض فيها أن تلعبه، كجماعات تملك وعيا وثقافة ومراكزَ مهمة وحضورا إجتماعيا فاعلا في الوطن؟

هل تعي تلك النخب أن دورها هو، في الحقيقة، وفي وطن غنيّ بتراثه الروحي والحضاري، رسالة مقدّسة بكل معنى الكلمة، ينبغي أن تكون متحرّرة من سلطة المال والتبعية والخضوع لمشيئة مراكز التمويل، وأنها رسالة تفرضُ عليهم واجبَ انتقاد الساسة بحق وموضوعية وصدق وقوة، على سوء أدائهم إن هم أساؤوا الأداء، وحثّهم على تغيير سلوكهم والإهتداء إلى سلوك الدرب القويم؟

هل تعي أيضا أن رسالتها تفرض عليها واجب دعوة الشعب إلى الوحدة، دون انقطاع، وتوعيته على حقيقة ما يجري ضدّ مصلحته على يد من انتخبهم، وحثِّه بقوة للثورة على الكسل والخمول والقرف واللامبالاة في نفسه أولا، ومن ثمّ وضع حدّ للأوضاع السيئة، وللساسة الضالين إن هم أصرّوا على ضلالهم، بالتوقف عن انتخابهم إلى الأبد؟

إنها لَشاقّة جدا، مهمّة توحيد الشعب الطائفيّ، المتعصّب حتى العظم، وتوعيته على واجباته وحقوقه ودوره الحضاري المميّز الذي بانتظاره، وما أسهل اليأس، كلّ لحظة، من متابعة هذه المهمّة. أجل، ما أصعبها من مهمّة، لأن الشعب والساسة، حتى اليوم، رغم كل نداءات وصرخات المخلصين في هذا الوطن، لم يتفقوا، بعد، على معنى واحد للهوية، وللمصلحة الوطنية العليا، وعلى معنى واحد للصداقة والعداوة والقوة والمقاومة، في حواراتهم الداخلية الخجولة، غير الصادقة، وفي مسارات علاقاتهم الخارجية، وهم لم يتوحّدوا، يوما، حتى في مواجهة أخطار الإرهاب المشتركة، التي تهدّد وجودهم جميعا، ووجود ما يسمى بالكيان اللبناني. إن هذا الكيان يكاد أن يصبح كيانا مصطنعا لفشل زعماء السياسة في لبنان في إحيائه ودعمه وبناء جيشه بناءًا قويا، وفي إثبات وجوده كما يتوجّب عليهم، في الوقت الذي تنجح فيه الكيانات الدينية العنصرية المصطنعة من حولنا بإثبات وجودها وبتثبيت كيانها، بفضل وحدتها وإخلاص مكوّنات مجتمعها، من ساسة وشعب، لبعضها البعض ولكيانها القومي العنصري، وبفضل مالها وذكائها وقوتها العسكرية، وقدرتها على استمالة لا بل فرض دعم الدول الكبرى لها.

كيف يتمّ إيصال الصوت الحكيم، الهادىء، إلى آذان الناس وإلى أعماق قلوبهم، في جوّ عالم مجنون يزيد كل يوم جنونا، يضجّ ويعجّ ليلا نهارا كأوكار الدبابير، ويدوّخ ويصرع الرؤوس، ويقضّ المضاجع ويصمّ الآذان، ويعمي الأبصار والبصائر، ويغلّظ القلوب والعقول، في عالم بلا قلب ورحمة وعقل وأخلاق، تسود فيه آلهة المال والعنف والشر بشكل طاغٍ، قاسٍ، يكاد يفقد فيه، أحيانا، الصالحون والصادقون، إيمانهم بإله الخير والحب والسلام، ورجاءهم الصالح بدنيا أفضل، هنا، على الأرض أولا، وهناك في العالم الآخر ثانية؟

أجل، نحن نصِرُّ بأن ثمّة بارقة أمل بتحقيق وطن الرسالة لبنان، ما زالت تلتمع في الأفق الملبّد بالغيوم الدكناء المخيفة، وفي نفوس النخبة القليلة، الواعية، المخلصة، في هذا الوطن المعذّب، التي لم تستسلم بعد لليأس والقرف. سوف تظلّ هذه النخبة تنادي، وبعناد وتحدّ كبيرَيْن، من فيهم حياة لعلّ الحياة تزاد لهم، وتنادي من لا حياة فيهم لعلّهم يقومون من قبر سباتهم. وسوف تظلّ تصرخ في وجه العابثين بمصائر الشعوب في الوطن وخارجه، وسوف تظل تستصرخ الضمائر التي لم تمُتْ بعد في كل مكان، وسوف تظلّ تستقوي بصراخها على ضجيج وعجيج العالم، لعلّ الخير يولد بعد هذا المخاض العسير المؤلم، ولعلّ فجر الخلاص الأغرّ ينبلج بسرعة من رحم ليل بهيم، ثقيل، بطيء، كثيف الظلمة والضباب، قد طال كثيرا، وطال فيه سهاد وأرق وعذاب ويأس شعب مقهور مخدوع، طيِّب، مُحِبّ، مُسالِم.

في كل الأحوال، أسُمِح للبنانيين أن يبنوا وطنهم كما يريدون أم لا، على زعمائهم، على الأقل، من أجل مواجهة الأخطار الجسام المُحْدِقة بهم من كل صوب، في عالم لا يحترم ولا يهاب إلا القوة، أن يتركوا جانبا خلافاتهم الأنانية، العبثية، السخيفة، التافهة، وأن يتفقوا ويتّحدوا جميعهم بكل فئاتهم و”هوياتهم” و”أحجامهم” و”أوزانهم” و”حيثياتهم”، قبل فوات الأوان، ويبنوا حكما عادلا، وجيشا قويا، وشعبا موحدا، واقتصادا مزدهرا، ومناعةً لا تُخْرَقُ، فلا يعود يجرؤ أن يستهين بهم الأعداء والإرهابيون الأشرار، وأوّلهم العدوّ التلمودي العنصري، المغتصِب لأرض فلسطين والقاتل والمشرِّد لشعبها، والخالق للإرهاب، والمشعل للفتن والإغتيالات والحروب، في جميع بلدان المشرق والعالم، في التاريخ القديم والحديث.

وأما وطن الرسالة، لبنان، بكلّ غنى تنوّع مكوّناته الإنسانية، فإن حظّه بإبصار النور يصبح أقوى، وهو في حماية شعب مُوَحَّدٍ، مستعدٍّ دائما للمقاومة، وقادرٍ عليها بالتلاحم مع جيشه. ساعتئذٍ، يستطيع اللبنانيون التجرّؤ على فرض أنفسهم فرضًا على العالم، بقوة اتحادهم وجيشهم، وبقوة “قوميتهم” أو “هويتهم” الإنسانية الحضارية الجديدة، قومية أو هوية المحبة، القوة الوحيدة الموحِّدة لهم، في الوقت الحاضر، وفيما بعد. ويستطيعون أن يبنوا، بثبات وثقة، على صخرة الإيمان الصحيح بالله وبالحقّ وبأنفسهم، هيكلَهم المقدّس، الخالي من التجار الفاسدين، لبنان، وأبواب الجحيم، ساعتئذ، لن تقوى على هذا الهيكل.