موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

نسيبة بنت كعب صحابية وأول مقاتلة محترفة فى التاريخ

عصام الزهيري كاتب عربي

كان انقطاع النبوات إشارة سامية لبدء عصر جديد لإنسانية جديدة، يملك بها كل إنسان نبيًّا من داخله، عصر يصبح العقل فيه هو النبى، يمتلك كل الحقوق الحصرية فى الجدل والتفكير والتقدير والتقرير والتعامل المباشر مع وحى السماء ومعارف الأرض، وتصبح حقوق هذا العقل وحريته فى التفكير والاعتقاد وإبداء الرأى أساسًا راسخًا لتحقيق الإنسان ذاته وممارسة حياته فى كل المجتمعات من حول العالم. وربما يمكن لسؤال واحد فقط أن يجسم الفارق بين هذين العصرين: عصر النبوة وعصر العقل.وهذا السؤال يتردد من حين لآخر دون أن تضع الإجابة المباشرة عليه يدها على حقيقة الفارق بين العصرين، السؤال هو: لماذا كان كل الأنبياء والرسل من الرجال ولم يكن بينهم نبية أنثى أو رسول من النساء؟

العقل الذى يطرح هذا السؤال ينتمى قطعًا إلى العصر الثانى الذى اكتملت فيه آية تكريم الله بنى آدم، وانتقلت من مدارها الكَونى الخالق إلى ميدانها الاجتماعى المجسد. لا ينتمى عقل يطرح مثل هذا السؤال إلى عصر النبوات الأول الذى كانت الإنسانية فيه لا تزال تجاهد للوصول إلى ما وصلت إليه اليوم من حقوق وحريات عامة معترَف بها للجميع، أيًّا كان جنسهم أو عرقهم أو طبقتهم أو عقيدتهم؛ لأن افتراض أن ترسل نبية أنثى أو رسول من النساء لابد أن يكون أمرًا مستبعدًا جدا لدى كل إنسان عاش فى عصر كانت المرأة فيه لا تزال تورَّث لأكبر ذكور العائلة، إما بشكل رسمى تعاقدى أو بشكل عرفى موثق، وكانت تحرَم من كل حقوقها كإنسان لتقترب درجات من منزلة العبيد، وكان الرقيق هم قوة العمل الاقتصادية الأولى حول الأرض، وكانت القبائل والشعوب تتفاضل على بعضها بالقوة والعرق والثروة والأصل والعنصر وكل ما يمكنه أن يشكل ميزة لآدمى على آدمى، وكان هذا التفوق يترتب عليه الغزو والفتح والسيطرة، وكان للفاتحين (الغزاة المستعمرين) حول العالم، ومن كل الأديان والثقافات، حقوق مستقرة فى «القانون الدولى» الذى كان سائدًا أيامها.

اليوم، اختلف الوضع اختلافا نهائيا، وللمتشائم أن يرى كما يحلو له أن الأمور لم تختلف حقا بقدر ما اختلفت مسمياتها، فلا يزال اضطهاد المرأة موجودًا، ولا يزال استعباد الإنسان واسترقاقه بوسائل استعباد أخرى جديدة موجودًا، والاستعمار موجودًا.. إلخ.

غير أن أكثر المتشائمين اليوم لا يمكنه أن ينكر أنه مهما حققت هذه الظواهر السلبية من وجود اليوم، فإن وجودها راجع إلى جذورها التاريخية الممتدة فى العقل والتراث والثقافة الإنسانية بالأساس، وأنها لم يعد لها وجود كظواهر مشروعة قانونية مبررة معترف بها، يسير الجميع على قواعد تقنينها ومشروعيتها والاعتراف بها وعلى نطاق واسع شأن ما كانت عليه قديما، وفى المقابل فإن حقوق الإنسان فى كل مجالات الحياة قد ترسخت نهائيًّا بحيث أصبح الخروج عليها هو الشذوذ الذى يصعب الدفاع عنه وتبريره مهما تكرر حدوثه.

عمومًا، كان انمحاء ظاهرة الرقيق من على الأرض كلها، والتبدل الجذرى الهائل فى وضع المرأة والنظرة لجنسها، أقوى علامتين من علامات الوضع الإنسانى الجديد الذى نحياه اليوم، ونستمتع ببعض ثماره، ونراقب بزوغ ونمو واكتمال بقيتها على الطريق.

واستلهام هذا الوضع الإنسانى التاريخى والملحمى يجعل الإنسان وهو ينظر إلى الوراء، إلى العصر الذى مضى وكانت البشرية فيه لا تزال فى حاجة إلى معونة مباشرة من السماء كى تنمو وتنضج وتستقيم، يشعر بحاجة ملحة إلى إسباغ المحبة وإرسال التحية لبشر بعينهم، يبدون لنا كما لو كانوا -بقدر أو بآخر- قد حققوا قدرًا من الاستيعاب لهذه المسيرة الملحمية الطويلة، وجسدوا بحياتهم نضالا من أجل اكتمالها.

على رأس هؤلاء تأتى امرأة طالما لم تمنح قدرها الحق ومكانتها اللائقة من هذه الزاوية، كما لم يراعَ تأثيرها العميق فى مسيرة القدر الإنسانى هذه بحرصها على تأكيد حضور المرأة ومكانتها وكينونتها ككائن بشرى اجتماعى موجود ومكتمل، له الصفة والشخصية والقدرة والكرامة، بحيث يستحق نصيبًا من خطاب وحى السماء، يوازى سواءً بسواء، أنصبة الذكور منه.

هذه المرأة هى «نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار» التى تنتمى لقبيلة الخزرج بيثرب، مدينة النبى المنورة.

وما يمكن أن يكنّه المرء لهذه المرأة من محبة، وما يود لو أرسله لذكرى روحها من تحايا وورود، لا يرتبط بسيرتها القتالية الجبارة فقط، فهى قد سميت أول مقاتلة فى الإسلام، وسميت أول فدائية فى الإسلام، إلى آخر ذلك من أسماء تمجيد البطولة القتالية فى ساحات المعارك. كل سيرتها تؤكد وتحفل بهذه البطولة بقوة، وسوف تنبهر وأنت تلتقى فى سطور سيرتها بأول مقاتلة محترفة فى التاريخ العربى، وربما عبر التاريخ البشرى كله، فأنت لا يمكنك مقارنة سيرتها من جهة احترافيتها فى القتال إلا بأسطورة «الأمازونات»، تلك القبائل النسائية المقاتلة فى غابات أمريكا اللاتينية. فقد شاركت «نسيبة» فى غزوة أحد، وبعد أن دارت الدائرة على جيش المسلمين وفراره، قاتلت ببطولة مع قلة من المحاربين دفاعًا عن النبى، وجرحت ثلاثة عشر جرحًا ما بين طعنة رمح وضربة سيف.

وفى غزوة «حنين» وبعد فرار كامل جيش المسلمين الذى كان يتكون من عشرة آلاف مقاتل خلال كمين نصبته قبيلة هوازن، وقفت نسيبة وفى يدها سيف تصيح فى الأنصار: «أية عادة هذه؟! ما لكم وللفِرار؟!»، ثم انتصبت تقاتل.

وخلال حروب الردَّة التحقت ببعث خالد بن الوليد الذى خرج لقتال بنى تميم، ومن بعدهم بنى حنيفة، ومتنبئهم مسيلمة بن حبيب، الذى كان قد قتل ابنها تمزيقًا ورميًا فى النار بعد أن رفض الاعتراف بنبوَّته، وقد نجحت فى الانتقام لمقتل ابنها لكنها أصيبت بأحد عشر جرحًا، وقطعت يدها فبعث إليها خالد بن الوليد بطبيب كوى لها القطع بالزيت المغلى، وماتت بعد قليل من هذه المعركة الأخيرة متأثرة بجراحها.

وهناك مشهد يبلغ من الرقة والدلالة فى سيرة المرأة العملاقة يورده «الذهبى» فى موسوعته «سيَر أعلام النبلاء»، أظن أنه فى حال وجود صحوة سينمائية فى بلادنا ما كان يمكن أن يمر بعينى مخرج دون أن يلهمه التجسيد له.

يأتى هذا المشهد فى خبر على لسان ابنها عبد الله بن زيد، هكذا: «أخبرنا محمد بن عمر: حدثنى ابن أبى سبرة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صعصعة، عن الحارث بن عبد الله: سمعت عبد الله بن زيد بن عاصم يقول: شهدت أحدًا، فلما تفرقوا عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دنوت منه أنا وأمى، نذب عنه، فقال: ابن أم عمارة (الاسم الذى اشتهرت نسيبة به)؟ قلت: نعم.

قال: ارمِ، فرميت بين يديه رجلا بحجر -وهو على فرس- فأصبت عين الفرس، فاضطرب الفرس، فوقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه بالحجارة، والنبى، صلى الله عليه وسلم، يبتسم».. وقد كان الولد حقا من ظهر أمه.

هذا التاريخ القتالى لامرأة من العصر القديم، فى ذلك المكان والزمان البعيد، أمر يستحق وقفة تعظيم وإجلال وانبهار حقيقى وعميق، غير أن للسيدة العظيمة فضلا أكثر وأكبر بكثير، ربما لم تلتفت هى نفسها إلى أهميته فى هذا العصر القديم بعقله السائد إلا كخاطر غامض.

ذلك الفضل العظيم يحمله خبر واحد صغير فى كتب السيرة النبوية وأسباب النزول، لم يلتفت إليه العقل العربى الغافى، لا يزال فى ظلمات عصر مضى كما ينبغى أن يلتفت إليه، ولم يعطه ما ينطوى عليه من أهمية لليوم كما أظن، والخبر يقول: «أتت أم عمارة النبى محمد يومًا، فقالت: ما أرى كل شىء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشىء، فنزلت آية (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيما)».

فى هذا الخبر بدت «نسيبة» ليست كمقاتلة محترفة فقط، ولكن كأنثى محترفة كذلك، تحترف وجودها الاجتماعى وكينونتها الوجودية كامرأة وتزهو بها وتطلب لها الظهور والتميز والوجود.

والأكثر أنها بدت كإنسانة محترفة أيضا، تحترف جرأة الوعى بإنسانيتها الكاملة التامة وترى فى تأكيد وجودها، ووجود هذه الإنسانية، مسارًا إنسانيًّا لابد وأن يكتمل فى الواقع، كما لابد أنه مكتمل فى الخطاب الإلهى. رحم الله المرأة العظيمة..

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com