موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

واقع الإستغلال في العلاقات الإنسانية وفي عالم السياسة

إيلي أنطون شويري

 

مقدِّمة: المعنى السيء والجيّد للإستغلال

تُستعمل هذه الكلمة عادة بالمعنى السيّء الذي يعكسه واقع الإستعمال اليوميّ في التعاطي الإنساني في لبنان. المعنى السيّء ينفي وجود النية السليمة من قبل الإنسان المُستَغِل، أو كما يُسمَّى “الإستغلاليّ”، في تعاطيه مع الناس، ويستوجب افتراضُ المعنى السيّء للكلمة، لا بل تأكيده، بالإضافة إلى نيّة المستغِل السيئة، حصولَ ضَرَر ماديّ أو معنويّ للناس المُستَغَلِّين. المعنى الجيّد للكلمة يكمن في استغلال فرصة ما تكون ملائمة لإفادة الناس ومساعدتهم ماديا أومعنويا (خلق أو إيجاد فرص عمل، مساعدات طبية للفقراء، إلخ.) لا الإستفادة منهم، أو في استغلال الفرصة حين يكون الطقس جميلا ودافئا، مثلا، للتنزّه في الغابة، أو للتمتع برحلة إلى الجبال، أو بالسباحة في البحر، أو في استغلال الفلاح لأرضه وللوقت المناسب فيزرعها قمحا مثلا، ويجني غلالا كثيرة.

 

إستغلال الناس أمر سيّء

 

إن إستغلال الناس لبعضهم البعض، جسديا وماديا ومعنويا، لا يمكن أن يكون أمرا جيدا أبدا، كاضطهاد الأبناء مثلا، والزوجات، والأطفال في سوق العمل، وبكلمة واحدة، التنكّر لما يُسَمَّى بشرعة حقوق الإنسان. وهو، بمعناه السيّء، يكثر استعماله وتطبيقه يوميا، بنسب متفاوتة، في كل المجتمعات، وفي مجتمعاتنا الشرقية بنوع خاص. معروف كيف أن القويّ جسديا، أو نفسيا، أو ماليا، يستغل دائما الضعيف: يحتال عليه، أو يخيفه أو يفرض مشيئته عليه، أو يسرقه، أو يضربه، أو يقتله. هذا مبدأ شريعة الغاب. وما يفعله الفرد القويّ بالضعيف، تفعله المؤسّسات والشركات والحكومات القوية، بالكائنات المُسْتَضعَفَة، وقلما يطبق القانون بعدل، لحماية المُسْتَغَلّين.

 

في الحياة اليومية، يصبح حتى الإبتسام الكاذب، والمديح الكاذب، والملاطفة المزيفة، عادة طبيعية يمارسها الناس مع بعضهم البعض. هذا السلوك بغاية الإستفادة وتحصيل خدمة ما، يُسَمّى استغلالا. كلمة “مصلحجي” يعرفها الجميع، وهي مستعملة بكثرة في “بلد” الخدمات والتذاكي والتسابق على المال والسلطة، لبنان. الأجور المتدنية في لبنان، على سبيل المثال لا الحصر، وتشغيل أرباب العمل لليد العاملة الغريبة الرخيصة، مظهر من مظاهر الظلم والإستغلال للشعب اللبناني الذي يُجبَر جبرًا نتيجة ذلك الوضع غير الطبيعي وغير العادل، أن يهاجر إلى بلاد الخارج شرقا أو غربا، أو أن يظل، داخل وطنه، بلا عمل وبلا كرامة، مقهورا، ذليلا، حاقدا، عاجزا. وأمام مشهد وجود العمال الغرباء يعملون سعداء في لبنان، وهم راضون بطريقة عمل وعيش رخيصة ومُذِلة (لا يستطيع اللبناني أن يرضى بها) غير أنها أفضل مما تقدمه لهم بلادهم بكثير، يردّد اللبنانيون القول المعروف: مصائب قوم عند قوم فوائد.

 

إستغلال المتسلطين لسلطتهم

 

الإستغلال السيّء للإنسان على يد من يملكون السلطة، يبرز بقوة في مجالات العمل كافة. إن سوء استعمال السلطة الذي يخلقه مركز الوظيفة في الشخص المسؤول أو المدير، أمر يعاني منه كل الناس في الشركات والمصارف والمعامل والمدارس والجامعات والحكومات. إن المنطق وراء هذا التسلط هو أن الأُجَراء أو العمال أو الموظفين، لا يمكن ولا يجوز، في نظر معظم أرباب العمل، أن تكون لطيفا معهم ولا أن تصادقهم، لأنهم سرعان ما يستضعفونك، وينقلبون عليك، ويستغلونك، ويقلّلون من إنتاجهم ومن احترامهم لك (لن نناقش هذه النقطة بالذات هنا، فهذا بحث آخر يستوجب دراسة خاصة طويلة ومُعَمَّقة). إن تسلط معظم المدراء يتمّ بمعرفة وتشجيع ورضى الإدارة العليا، وبحمايتها، وهي تعتبرهم مدراء أقوياء، يهمّهم الإنتاج فقط والأرباح، لا إنسانية الإنسان، رغم أن ذلك يجعل حياة الموظفين والعمال تعيسة جدا في مركز العمل، وفي البيت، ولا يزيد في الحقيقة من قدرتهم على الإنتاج، كما يتوهّم ارباب العمل. هذا النوع من المدراء المستقوين بمركزهم، وهم، في حقيقة شخصيتهم، وراء قناع المركز، أناس تافهون، يخلقون باستمرار لمن يعملون تحت إمرتهم، عقدة الذنب والخوف، بأنهم مُقصِّرون في عملهم، وبأنهم، بالإضافة إلى رواتبهم الضئيلة، لن يحصلوا على أية علاوة، وأنه يمكن الإستغناء عن خدماتهم في أية لحظة.

 

نتيجة هذه الحالة من الإضطهاد الدائم، والقلق على المصير، والشعور بالغبن والإحتقار والإذلال، تعرّض أحد المدراء المتسلطين، المتكبرين، في مؤسسة تربوية ضخمة، للضرب على يد أحد العمال، فطُرِد العامل ولوحِق قضائيا، وبقي المدير في عمله يتابع ممارسة استبداده.

 

وأيضا، في حالة مشابهة، غير أنها طريفة، تُوُفِّيَ أحد المدراء المستبدين الظالمين، فاتصل أحد ضحاياه في العمل بمنزل المدير، فحين ردّت زوجته، بادر إلى سؤالها: هل أستطيع أن أكلم زوجك من فضلك؟ هل هو موجود؟ فأجابت بحزن وتهذيب: آسفة، إن زوجي قد مات البارحة. فأبدى أسفه الشديد، وأغلق الخط. ثم عاود الإتصال مرة ثانية، وحصل على الجواب عينِهِ. في ثالث إتصال، قالت له الزوجة بنبرة غاضبة: ألستَ أنتَ الشخص عينه الذي اتصل من قبل؟ قال: نعم. فانفجرت بصرخة غاضبة، عالية: قلت لك أن زوجي قد مات، مات، مات. ألم تفهم؟ فلماذا تتصل من جديد لتسأل السؤال عينه؟ فأجابها بكل هدوء وبرودة أعصاب: كم أحبّ أن أسمعها أكثر من مرة واحدة، لأتأكّد أنه قد مات، حقا مات.

 

إستغلال التجار للمستهلكين

 

التاجر الذي يتحيّن الفرص ليرفع أسعار بضائعه دون سبب وجيه، متحجِّجا بالأسواق العالمية وبورصاتها، وبشيء عظيم جدا، ومبهم، يَرِد على لسان “المثقفين” فقط، إسمه “إقتصاد”، إنما هو يستغلّ الفقراء استغلالا قانونيا، شرعيا، ربحه “حلال”، لا يعترض أحد عليه، ولا يستطيع أحد أن يوقفه. والإقتصاد هذا، هو، بكل بساطة، إبن علم من العلوم الإنسانية، مبنيّ على الأرقام والحسابات الدقيقة، ولعبة العرض والطلب، لتحديد الربح والخسارة وتأمين الربح في كل تجارة وصناعة وسياحة ومرافق الخدمات الصحية والمصرفية والسياحية والحكومية، وغيرها، أجل، الإقتصاد علم ليس إلا وليد الطمع البشريّ والجشع وقساوة القلب، يستغلّه التاجر، دون اعتراض من أصدقائه، أهل القانون والحكم، ليبرّر ربحه الدائم.

 

ما هو طريف جدا، على سبيل المثال، أن بعض التجار عندنا، في وطن رسالة المحبة والتسامح والحياة المشتركة، يرفعون، بشكل غير مقبول، أسعار الأكل من خضار وفواكه ولحوم وغيرها، قبيل بدء زمن الصيام. الناس تتذمّر وتتحدّث عن الموضوع مع الإعلام، غير أن الحدث “الطريف” يتكرر كل سنة.

 

والطريف أيضا أن بعض التجار الآخرين، إذا شمّوا من بعيد رائحة أخبار وإشاعات زيادات الأجور للعمال والموظفين، يقررون فجأة مشاركة الشعب الكادح بها لا بل نتشها كلها من يده قبل أن تصل اللقمة إلى فمه، وينجحون في وقاحتهم هذه، ولا أحد يوقفهم. ويحصل ذلك أيضا حين تمنح الدولة الشعب زيادة طفيفة في الأجور ثم تزيد الضرائب عليه بشكل ظالم، غير مقبول.

 

واضح وضوح الشمس أن كل ذلك ليس إلا استغلالا للناس الفقراء لزيادة فقرهم وأوجاعهم، ولزيادة أرباح التجار وثرواتهم. الطبيب والمحامي والمهندس وغيرهم، الذين يرفعون أسعار خدمة الناس بشكل خياليّ لا يتحمله معظم الناس، بنية استرداد المال الذي دفعوه للجامعات كي يكملوا اختصاصهم، وبنية أن يصبحوا أثرياء بأسرع وقت ممكن، هم، كالتجار، يستغلّون الناس. كم ينطبق القول المأثور “شرّ البلية ما يضحك” على حالات من هذا النوع.

 

إستغلال الفقراء للآخرين

 

والطريف أيضا في مسألة الإستغلال، أن الفقراء الذين يستعطون في شوارع المدن والقرى، يستغلون أحيانا كرم الناس بفنّ مُتقَن، ويُلِحّون بطلب المزيد من المال، ويستعطفونهم بأصوات ذليلة، حزينة، لجوجة، ويلاحقونهم ويمطرونهم بدعوات الخير والصحة والعافية والتوفيق، فتصبح هذه الدعوات، لكثرة وسرعة تدفقها بنبرات  نقّ ونعي واستحضار أرواح، وكأنها وابل من اللعنات.

 

يُحكى عن فقير كان يجلس كل يوم في مكان ثابت في الشارع، يستعطي. وكان إنسان غنيّ، كريم النفس، يمرّ كل يوم من هناك في طريقه إلى عمله، ويشفق على الفقير ويعطيه عشرة آلاف ليرة. بعد فترة من الزمن تقارب السنة، بدأ يعطيه خمسة آلاف ليرة. ثم أكمل عطاءه بألف ليرة فقط بعد مرور سنة أخرى. فسأله الفقير، باستغراب وعتب شديدَين، عن سبب هذا التغيير الكبير في عطائه. فأجابه الرجل، بتهذيب، وبلهجة اعتذار، بأن مصاريفه تزداد كل سنة، لأن أولاده يدخلون إلى الجامعة الواحد تلوَ الآخر، ليكملوا دروسهم، لذلك اضطرّ أن يقلّل من عطائه. فسأله الفقير: كم ولد عندك، أدامك الله؟ فأجابه، أربعة. فصرخ الفقير: لا تقلْ لي الآن بأنك تنوي تعليم كل أولادك على حسابي أنا؟ من هنا القول الطريف: “شحّاذ ومشارط”.

 

إستغلال الساسة للشعب

 

إن الحديث عن استغلال الساسة للشعب حديث ذو شؤون وشجون. إنه حديث يطول وليس فيه أي شيء من الطرافة. السياسيّ هو إنسان، كسائر الناس، يملك، ربما أكثر من أي إنسان آخر، شهوة المال والطموح والسلطة والقوة، وشهوة التفوّق في فنون الإستغلال، إلى درجة نستطيع فيها القول: شرّ البلية ما يضحك. إنه شبيه جدا بالتاجر في عقله وطبعه ومزاجه وحساباته، وفي روح الإستغلال والإستفادة والربح. قبل الوصول إلى حقل أو “نعيم” السياسة، يكون خادما متواضعا أمينا للشعب، ومحاميا بارعا ومتحمسا عن حقوقه، ثم  يصبح، بعد أن ينتخبه الشعب نائبا عنه في المجلس النيابيّ، إنسانا مهما جدا بحكم مركزه الجديد، وما يستتبعه ذلك من راتب كبير وحصانة منيعة، ويتحوّل إلى إنسان أنانيّ متكبّر متسلّط، لا يهمّه إلا نفسه وخدمة مصالحه الشخصية، وينشغل طيلة مدة “خدمته” للشعب، باستغلال هذه الفرصة الذهبية التي منحه إياها الشعب، من أجل إيجاد وابتكار طرق ووسائل وأساليب، لا لتحصيل وتأمين حقوق الشعب وإسعاده، بل لنفخ أنانيته وكبريائه بالثروة والشهرة والمجد والقوة والسلطة. وما يزيده انتفاخا هو أنه مطمئن أن الشعب لن يحاسبه على إهماله واحتقاره له، وسوف يعيد انتخابه من جديد، بإسم الصداقة والعائلة والطائفة والمذهب، حين يحين الموعد.

 

لسنا ندري لماذا يتغيّر الإنسان من إنسان عاديّ إلى إنسان متكبّر ومتسلّط وظالم، حين يتسلّم أيّ مركز فيه مسؤولية وممارسة للسلطة. لسنا ندري بالفعل لماذا على هذا الإنسان أن يسيء استعمال سلطته ليظلم الناس ويهمل واجباته تجاههم. إستغلال السلطة أو سوء استعمالها آفة كبيرة تشمل العلاقات الإنسانية في كل ميادين الحياة، وفي كل مكان وزمان. في العائلة والمدرسة وأماكن العمل، ثمة دائما من يستغل ويسيء استعمال السلطة، عن قصد أو غير قصد، عن وعي أو غير وعي، من أهل وأساتذة ومدراء ورؤساء وأهل سياسة، بالرغم من الشهادات “العليا” في علوم الإدارة والتربية والأخلاق والسياسة والإقتصاد والتاريخ والفقه واللاهوت وغيرها، التي يملكها هؤلاء.

 

إذا كان من الصعب أو المستحيل أن يتخلى الإنسان عن روح استغلال السلطة والتسلط فيه، فهذا لا يعني انه على المظلومين أن يسكتوا، وأن لا يجرؤ أحد على قول الحقيقة باسمهم، حتى في وجه المتسلّط. في لبنان، مثلا، نسمع الحقائق المعيبة عن أهل السياسة (أهل الحصانة) في الإعلام، ونسمع ردودهم البليغة، ومنهم من يؤثِرُ الصمت، وينتهي الأمر هنا، ويُسدَل الستار. كلام بكلام، وتسجيل مواقف. وغدا يوم جديد آخر، ومسرحيات جديدة أخرى، للمُمَثِلين عينهم، بحضور الجمهور عينه.

 

استغلال متبادَل بإسم المصلحة المشتركة

 

ثمة استغلال فريد من نوعه في عالم السياسة، لا أحد فيه يؤذي أحدا أو يُغضِب أحدا. هذا الإستغلال يُسَمّى مصلحة مشتركة. عندنا في لبنان، يستطيع الأغنياء أن يشتروا أصوات الناس في الإنتخابات البلدية والنيابية كما يحصل دائما، والجميع سعداء بهذه الصفقة. ويستطيعون أن يستغلوا قوة مركزهم في الدولة وقوة مالهم ليوظفوا أزلامهم ولو لم تكن الدولة بحاجة إلى خدماتهم، وفي سائر مجالات العمل في القطاعات الخاصة.

 

وأيضا، ثمة استغلال الأقوياء بالمال أو بالسياسة لبعضهم البعض بكل رضى وطيبة خاطر. إنه أمر معروف في لبنان (وفي كل العالم) أن أهل السياسة وأصحاب رؤوس الأموال ينجذبون إلى بعضهم البعض بشكل طبيعيّ. إنه انجذاب شهوة القوة للمال والشهرة وشهوة المال والشهرة للقوّة. الأغنياء يريدون حماية أنفسهم ومشاريعهم وأموالهم، قانونيا (بحصانة السياسيين)، ويطمحون إلى لعب دور سياسيّ بقوة مالهم، والسياسيون بحاجة إلى تمويل حزبهم وأنفسهم وعائلاتهم وزيادة ثرواتهم ومجدهم، ويستطيعون، لا بل يعشقون استغلال الوضع للإستجابة لطموح الأغنياء. والإثنان، السياسيون والأغنياء، يعتمدان اعتمادا قويا دائما على دعم الإعلاميين ل”قضاياهم” المشتركة، فيرشيانهم ويشتريان مواهبهم في نشر الاخبار الجيدة عنهما والدعاية (الكاذبة) لهما والتأثير على الرأي العام، وهكذا يتمّ وينتعش ويزدهر، بكل عناصره الحيوية المتكاملة، “إقتصاد” البيع والشراء، والعرض والطلب، والأخذ والعطاء، وتبادل الخدمات والمصالح. وكل ذلك، على حساب الشعب المصدّق والمصفّق والمخدوع.

 

عندنا في لبنان، أيضا، إستغلال غريب من نوعه، وحده الشعب، كالمعتاد، هو ضحيته الدائمة: بعض أهل الحكم، في تحالفهم مع الأغنياء ومع حكومات الخارج، ينسون الشعب الفقير الكادح، ويبنون الثروات على حسابه من خلال رشاوى وعمولات وصفقات وتبييض أموال، ويتخذون قرارات ومواقف سياسية واقتصادية (ولو ضدّ مصلحة الوطن وكرامته) ترضيهم وترضي هؤلاء الأغنياء، وتلك الحكومات، وتُبقي الشعب وحده غير راض، غارقا في قهره وتعاسته وفقره وحيرته وقرفه، ورغم كل ذلك، فهو مستعدّ لانتخابهم من جديد. الأمثلة على ذلك كثيرة جدا. الشعب المسكين المعذّب على علم بها. هل من لزوم لذكرها أو ذكر بعضها؟

 

إن مشاكل (أو بالأحرى صفقات) لبنان سلسلة طويلة جدا. كل المشاكل متراكمة، عالقة، بلا حلول في لبنان. تظل المشاكل بلا حلول (والشعب ينتظر حلولا تريحه في معيشته اليومية) إلى أن يتم الإتفاق (إن تمّ) بين أرباب السياسة (زعماء الطوائف) والعمل والمال على كيفيّة تلزيم المشاريع، وعلى كيفية تقاسم الحصص، وعلى طلب رضى الخارج ورأيه وموافقته قبل كل شيء، وفي كل شاردة وواردة.

 

إستغلال الساسة للشعب الفقير

 

أين نبدأ؟

 

بحزن شديد، نبدأ التعداد:

 

من مشكلة النفايات التي ما وجدت حتى الآن حلا كاملا لها من الحكومة والبلديات، وما زالت المعالجات آنية، وترقيعا بترقيع،

 

إلى مشكلة الكهرباء التي طال أمدُها بشكل عجيب، وصارت لغزا سياسيا محيّرا، كمشكلة النفايات، رغم كل الأموال التي صُرِفَت من أجل إيجاد الحلول لها، ولا حلول نهائية حتى اليوم،

 

إلى مشكلة استخراج الغاز والنفط من البحر، بانتظار توضيح مسألة دفع الشركات المتنافسة على التنقيب، لعمولات يتقاسمها السياسيون المهتمون بهذا الملف، وبانتظار ما يُسمى بقرار سياسيّ بين الأقطاب في لبنان المرتبطين بأقطاب الخارج، يراعي وجود ومشاعر ومصلحة مستثمر أخر لهذه الثروة إسمه “إسرائيل”،

 

إلى مشكلة عرقلة وتأجيل تأليف حكومة بافتعال مشكلة الأوزان والأحجام، وكل شيء أصبح معلوما ومعروفا حول هذه المسألة، ومن هم المعرقلون الحقيقيون وارتباطاتهم المالية والنفسية والمذهبية مع حكومات وممالك الخارج عينها التي لا تريد الخير للشعب اللبنانيّ،

 

إلى مشكلة تلوّث الغذاء والمياه والهواء والدواء التي عولج قسم منها، ولكن التلوث ما زال يحيط بنا ويتغلغل في عروقنا ويُسَمِّم دماءنا،

 

إلى مشكلة غلاء المعيشة والأجور المتدنّية التي يعاني منها الفقراء فقط، ويتكلم عنها كثيرا الأغنياء في الحكم وخارجه ويعرضون الحلول هم والإعلام التابع لهم، ولا حلول،

 

إلى مشكلة البطالة ومنافسة اليد العاملة الغريبة الرخيصة للبنانيين في كل القطاعات، والتي تناسب أهل الحكم والعمل والمال في مجال توفيرهم لمالهم الوفير، والتي يتوجّع منها الشعب الكادح وحده،

 

إلى مشكلة تسليح الجيش، وتَحَكُّم بعض السياسيين المستقوين بالخارج بهذا القرار لمنع تسليح الجيش لأسباب صارت غير خافية على أحد،

 

إلى مشكلة سرقة خزينة الدولة التي يموِّلها الشعب بعرق جبينه، ومشكلة عدم قدرة أحد على محاكمة ومحاسبة من وُجِّهت أصابع الإتهام إليه بعد إبراز كل البراهين الدامغة على جرمه، لأنه محميّ من الخارج، ومن الداخل التابع لهذا الخارج،

 

إلى مشكلة القضاء المُسَيَّس وضعف القانون وغياب الحقّ والمحاسبة، واكتفاء بعض الغيارى المنافقين والفاسدين والمفسدين، بالتغني، فقط، بدولة القانون والمؤسسات،

 

إلى مشكلة روح العظمة والكبرياء التي تسكن معظم أهل السياسة والمال والأعمال والتي هي أصل كل العلل،

 

إلى مشكلة تزوير الحقيقة وتضليل الرأي العام من قبل الإعلام المأجور والمستعبَد لمراكز المال والسياسة في الداخل والخارج،

 

إلى مشكلة تحكم الخارج بحياة ومستقبل الشعب اللبناني…

 

هل نتابع؟

 

يكفي ما ذكرنا من مشاكل يستغلها أرباب وأساطين وعباقرة الإستغلال والخيانة المعروفون، دون وازع من ضمير ودون خجل أو خوف من أحد.

 

وأما الشعب اللبناني فهو يتصرف مع من يخدعه من أباطرة السياسة والطوائف والمال كالزوجة المخدوعة دائما، التي يخونها زوجها طيلة حياتها، فتتعوّد على فكرة الخيانة، وتصبر على هذا الواقع المخزي، وتظل وفية له، ولا تثور أبدا، ولا تطلب الطلاق، وتسكت طلبا ل”السترة” وتجنبا للفضيحة، وتجدد “حبها” للزوج المخادع، كل يوم.

 

الإستغلال الديني

 

أما الإستغلال الدينيّ فهو أستغلال صامت، شبه “مقدّس”، لا تُثار ولا تحوم حوله أية شبهات وأية ضجة إعلامية أو سياسية أو قانونية. لا أحد يجهل التحالف الطبيعيّ الدائم القائم بين رؤساء الدين والسياسة والمال. ولا أحد يجهل الثروات الكبيرة التي يملكها أهل الدين من أراض وأبنية ومال، نتيجة “تبرعات” من المؤمنين، فقراء وأغنياء. ولا أحد يجهل السلطة التي يمارسها أهل الدين على المؤمنين وعلى أهل السياسة، وكم من رجال دين لا يمارسون بحزم واجب التوعية والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة في مخاطبتهم للساسة، بل يتقربون منهم ويُدارونهم دائما، ويسيئون استعمال سلطتهم ورسالتهم، ويستغلونها طمعا بالسلطة والمجد والعظمة، ولإخافة الناس من نار جهنم، ولِجَنيِ المال. تكاليف معاملات الزواج والطلاق والجنازة والدفن والصلوات وغيرها، تكاليف عالية جدا تفوق قدرة الفقراء على التحمّل.

 

بالإختصار، نحن من جديد، كما في حقل السياسة والتجارة والعمل، أمام أناس حصلوا على مراكز عالية وسلطة كبيرة باسم الدين وباسم الله، فتكبروا بمعظمهم، وفسدوا وزاغوا ولم يحسنوا استعمال مراكزهم وسلطتهم لخدمة رعاياهم، بحسب ما تأمرهم به دعوتهم الروحية، بل تحوّلوا إلى أباطرة يتربعون على عروش الآلهة ليخدمهم المؤمنون وليسجدوا لهم ويعبدوهم.

 

روح الإستغلال آفة بشرية

 

في العالم أجمع (وفي تاريخ البشرية)، كانت وما زالت عملية استغلال الشعوب موجودة، دائمأ، بشكل أو بآخر، وبنسب متفاوتة، بسبب تكبر أرباب السياسة والمال والدين والعمل وطمعهم بالقوة والمال والسلطة، واستغلالهم مراكزهم الحساسة للتمادي في ممارسة استغلالهم، وبسبب جهل الشعوب وسهولة السيطرة عليها وقيادتها.

 

هناك قوة في الغرب، مؤلفة من عائلات تلمودية متماسكة، موحَّدة في هدفها ووسائل تحقيقه، تملك معظم ثروات الكرة الأرضية واقتصادها، وتعمل في الخفاء على استغلال كل مراكز النفوذ الديني والماليّ والإقتصاديّ والسياسيّ والإعلامي في العالم. أدواتها المفضلة هي حكومات الدول الكبرى والصغرى، تسيطر عليها وعلى جيوشها بإغراءات المال والإبتزاز، وتسيطر على قراراتها في الحرب والسلم، من أجل حكم العالم، على المدى البعيد، بحكومة واحدة. وهذه القوة تعرف كيف تفسد أخلاق الشعوب يالمخدِّرات والأفلام الإباحية من أجل إضعاف قدرتها على التفكير الصحيح والمقاومة. وهي أيضا تسيطرعلى الإعلام العالمي وتستغله للتأثير على الرأي العام كيفما تشاء. إنها قوة لا تتعاطى أو تختلط كثيرا مع الناس، تعيش في جزر أمنية معزولة، محمية جيدا ومحصَّنَة ضد أي تطفّل أو خرق أو إعتداء.

 

الأمثلة لا تنتهي عن مسألة الإستغلال للمركز والسلطة والإعلام، وللناس، في العالم كله، من قبل الأفراد والجماعات.

 

موقف اللبنانيين من مستغِلّيهم

 

إنه لأمر معروف في لبنان (وفي العالم) من هم المُستغِلّون ومن هم المُستَغَلّون في عالم العمل والتجارة والسياسة والدين والإعلام، وما هي أنواع وأساليب الإستغلال المستعمَلَة. الأمر المحيِّر، في العالم كله، هو سكوت معظم الناس والحكومات عن الذين يستغلونهم ماديا ومعنويا، وعدم القدرة على عمل أي شيء لوقف الإستغلال.

 

في لبنان، مثلا، معظم الناس يرفضون أن يصدّقوا أن زعيمهم يستغلهم، ويرفضون، إن صدّقوا، أن ينتقدوه، وهم يكرهون كل من يتجرّأ وينتقده. والأمر المُحَيّر بنوع خاص هو أن استغلال السياسيين لشعبهم ليس مسألة عابرة حصلت مرة وانتهت، وليس مسألة بسيطة لا أذى فيها للشعب. إنها مسألة مؤذية للشعب، وتستمر، غصبا عنه،  طيلة العمر، عمر السياسيين وعمر الشعب، وتنتقل عدواها إلى أبناء السياسيين من بعدهم، وإلى سياسيين طموحين جدد، والشعب يظل ساكتا، متعلقا بزعيمه، ويظل يجدد انتخابه حتى الممات، ومن جيل إلى جيل.

 

الإستغلال واقع بشري دائم

 

حين نصطدم بواقع إنسانيّ، أليم، مأساويّ، لا يبدو أنه سيتغيّر، نبدأ بالتساؤل من جديد، وبشيء من الحزن:

 

لماذا نكتب؟ ولمن نكتب؟ هل نتابع الكتابة؟ هل نتراجع؟ ونتذكّر ما نسمعه من بعض الأصدقاء من وقت إلى وقت: “لا تُتعِب نفسك. الناس لا يقرأون، وإن قرأوا لا يفهمون ما يقرأون، وإن فهموا فهم لا يطبقون شيئا مما يقرأون. أرباب السياسة والمال والإعلام والدين وأرباب العمل والتجارة، كلهم لن يتغيّروا أبدا، ولا أمل يُرجى منهم”. وينهون الحديث بهذا القول: “على كل حال، الإنسان الصادق لا ينجح، ومهنة التفكير والكتابة والتوعية لا تطعم خبزا”.

 

في الحقيقة، إنه لمن السهل جدا أن يُصَاب الكاتب بالإحباط والقرف حين يفكر بكل هذه الأقوال، وحين يتأمل في واقع بشريّ محزن مأساويّ، واقع الإستغلال المعيب والمخيف الذي يمارسه البشر (خاصة أصحاب النفوذ والسلطة والمال) على بعضهم البعض، واقع متجذِّر في النفس البشرية، ولا يمكن تغييره. الكاتب يرفض أن يكتب لنفسه وحسب. إنه يكتب للآخرين، بروح المحبة وفرح المشاركة. يدل الكاتب بإصبعه على المشكلة والمصيبة، ويشخّص المرض تشخيصا صحيحا، قدر الإمكان، وهو يملك الحل والدواء، ولكنه يشعر بأن الدواء لن يشفي العلة، وأن الحل لن يحل المشكلة ويزيل المصيبة، لمعرفته الأكيدة بأن الناس يرفضون بمعظمهم تغيير أنفسهم، خاصة أصحاب المال والمراكز العالية المهمة، وأهل السياسة، والإعلام المأجور. هؤلاء لا يتنازلون عن كبريائهم ليعترفوا بأن فيهم أي نقص فكريّ أو أخلاقيّ أو روحيّ، أو ليقرّوا بأنهم يظلمون الناس، وبأنهم بحاجة إلى تغيير أنفسهم وسلوكهم.

 

غير أن الكاتب الأمين لرسالته يتخطى تجربة القرف واليأس من شرّ الناس المتكبرين الظالمين، ومن الكتابة، ويتابع مسيرته على درب الكمال ونور الحقيقة، بقوة حبّه للحقيقة وإيمانه بضرورة إعلانها للملأ، ولو تهيّأ له وللآخرين، أحيانا، في لحظة من لحظات الضعف وقلة الإيمان، بأنّ صرخته هي صرخة في واد.

 

سوف يظلّ الإستغلال بكل أشكاله ودرجاته وبراءته وطرافته وشرّه، ملتصقا بالطبيعة البشرية منذ الصغر حتى الشيخوخة. لن ينتهي استغلال الأطفال البريء لعاطفة أهلهم، واستغلال الكبار لطيبة أو ضعف أو غباء بعضهم البعض، واستغلال الأصدقاء والأهل والأقارب بعضهم لبعض، واستغلال الناس لمراكزهم واستقوائهم على من هم تحت سلطتهم ومحاولة استعبادعهم. ولن ينتهي، بنوع خاص، استغلال معظم السياسيين لشعبهم ومعظم أهل الدين ل”المؤمنين”، وهذان هما أسوأ أنواع الإستغلال وأكثرهما ديمومة. أجل، لن ينتهي كل ذلك.

 

خاتمة: تحويل مشكلة الإستغلال إلى فرصة نموّ وتحرّر

 

في الواقع، لا لزوم لأن نحزن بسبب وضع كهذا. كل ما يمكن أن نفعله، هو أن نبدأ نحن بتربية أنفسنا أولا، فنسعى جاهدين، صادقين، إلى بناء شخصيتنا بناء صلبا حين نخضع لتجارب الإستغلال من كل الأنواع. ثم علينا بتربية أولادنا على مبادىء الصدق والإخلاص والتضحية والخدمة والمحبة. ولنستغل، نحن، التجارب، لنزيد قوة، وحكمة، ومحبة للناس. إنها، على كل حال، تجارب لا مهرب منها، بسبب تكوين الإنسان الجسديّ والنفسيّ، وحتمية تصرفه، في غياب التربية الحقيقة، بروح أنانية إستغلالية تجري مع الدم في عروقه، بالوراثة. فلنَعِ هذه الحقيقة، ولنقبَل بها، ولنُقِرّ، بتواضع، بأننا لا نقدر على إزالتها كلّيًا من الوجود، إلا إذا أزلنا البشرية كلها من الوجود، ولنقرّر أن نجابهها كما ينبغي، أي بتحويلها إلى فرصة ثمينة لننموَ بالوعي والحكمة والقوة والمحبّة والصبر، ولنتحرّر من حبائلها قدر المستطاع، ونرفع مستوى التعامل بين الناس إلى أرقى مستوى ممكن من ألأخلاق والتجرّد والتعاون المشترك والمُتَبَادَل.

 

في النهاية، فلنحاول دائما أن نساعد الآخرين على عمل الشيء عينه، على طريق الوعي والكمال الأخلاقي والروحي، إن قبلوا بمساعدتنا أم لم يقبلوا. نكون، على الأقل، قد حاولنا، ولو لم ننجح معظم الوقت. غير أن وجهنا، مهما بلغت درجة نجاحنا في مهمة شبه مستحيلة، يظلّ مظللا بسحابة من الكآبة، حزنا على الذين ما يزالون هائمين، سعداء، في ظلمة الجهل والكبرياء والعناد والإستبداد والإستعباد. يبقى لنا عزاؤنا الوحيد، وهو أن ضميرنا مرتاح، وقلبنا فرح بنور هداية الحقّ، وقد استحقّينا ذلك خير استحقاق، بعد أن جاهدنا في سبيل إصلاح أنفسنا، أولا، إصلاحا كان بودّنا أن نحققه بمعيّة الآخرين.