موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

هل الشعب اللبناني يحكم نفسه بنفسه

إيلي أنطون شويري

من الطبيعيّ أن يكون الشعب اللبناني هو حاكم نفسه بنفسه من خلال انتخابه لممثليه في الحكم. هذه إحدى حسنات النظام الديمقراطي الذي تبناه الشعب منذ نيله لاستقلاله، سنة 1943. ومن غير الطبيعيّ أن يسأل اللبنانيون أنفسهم، باستمرار، بعد مرور خمس وسبعين سنة على نيل استقلالهم، هذا السؤال: هل نحن نحكم وطننا لبنان؟

أجل، من يحكم لبنان؟

إن السؤال هذا، هو، في الواقع، سؤال قديم، من أيام الإستقلال حتى اليوم (شبيه بسؤال محيِّر، آخر: أي لبنان نريد؟)، يؤرّق اللبنانيين، خاصة كلّما مرّوا بأزمات ثقة وحكم وهوية وولاء، تصل أحيانا إلى حدّ التصادم المسلّح فيما بينهم، والتلويح أو التهديد بإقامة حكم مستقل لكل طائفة في مناطق تواجدها بكثافة، أو بطلب الوحدة مع دولة خارجية، بحسب هوى كل طائفة. يطرح اللبنانيون الواعون هذا السؤال، على أنفسهم وعلى بعضهم البعض، بمزيج من حيرة ومرارة وغضب وقرف ويأس. يستطيع أي لبناني أن يجيب عليه بسرعة، دون أيّ تردّد، ودون تفكير عميق، ودون مكابرة، وبكل ثقة ويقين:

من يحكم لبنان؟ مجموعة دول كبرى وغنية وقوية (ويعطيك أسماءها) تُسَمّى ب”الخارج”، هي من يحكم لبنان.

والسؤال الآخر:

“لماذا الخارج يحكم لبنان؟”، يجد أيضا الإجابة السريعة الفورية عليه:

بسبب أطماع هذه الدول الكبرى والغنية بالسيطرة، وبسبب مصلحة السياسيين وأنانيتهم، وروح الخيانة فيهم، وعشقهم المريض للزعامة والمال.

ويصحب هذا التساؤل، أحيانا، على لسان الشعب المقهور، سيل من الشتائم لهذا “البلد”، وهذا “الشعب”، وهذه “الدولة”، وهذه “الحكومة”، ولكل السياسيين دون استثناء، مع حلفائهم من رجال أعمال ومال، ولبعض الدول التي تحكمنا. وبعض اللبنانيين، لشدة قرفهم وتعبهم من الساسة، يعبّرون، بكل وضوح واقتناع، عن تمنٍّ دفينٍ في نفوسهم: ليت الحكم يكون عسكريا، أو ليت دولة أجنبية تحكمنا، فنرتاح. ويتابعون: ليتنا لم نُعطَ إستقلالا لا نستحقّه، ولسنا أهلا له.

من يحكم لبنان؟

من حقّ وواجب كل زعماء وأبناء طوائف لبنان أن يتشاركوا ويساهموا، معا، في حكمه، من خلال قانون إنتخابات جيّد، عادل وواقعي يعكس التمثيل الشعبي على حقيقته، يتفقون عليه بعيدا عن الكيدية والتسرّع والندم، ومن خلال ممثلي كل طائفة، دون أن تطغى طائفة على أخرى، لئلا يختلّ ميزان التوازن والإعتدال.

هذا هو الجواب المنطقي، البسيط. ولكنّ الواقع مغاير لهذا المبدأ. التنافس بين زعماء الطوائف على حكم الشعب اللبناني لا على خدمته، كان وما يزال خبيثا، وعنيفا جدا. ونتيجة لهذا التنافس، يَستنجدُ زعماء الطوائف بحكومات الخارج للحصول على الدعم المعنوي والمالي والعسكري، للإستقواء على بعضهم البعض. ونتيجة لهذا الدعم، يصبح أمرا طبيعيا أن تتدخل حكومات الخارج في إدارة شؤون الوطن والتأثير على إرادة وقرارات زعمائه وشعبه. في هذا المناخ، يدأب الزعماء، بمساعدة الخارج، على تغذية روح التعصّب الديني والمذهبي والعرقي، ليسهل عليهم جرّ الشعب إلى الإنقسام والتنافر والإقتتال من أجل دوام مجدهم وعزّهم وحدهم. تاريخ لبنان حافل بهذه الوقائع.

الغريب في الموضوع أننا قد سمعنا، أكثر من مرة، سياسيين وإعلاميين يجاهرون، علنا، ودون أي حياء وأي حرج، في خضمّ المخاضات الموسمية العسيرة لولادة الحكومات المتعاقبة، المتعثرة، وفي أيامنا هذه بالذات، وإثرَ زيارات عديدة لمراكز المال والقرار في الخارج (من أجل “التشاور”؟)، بأن القرار (قرار إختيار وانتخاب رئيس للجمهورية، مثلا، كلما حان هذا الإستحقاق مرة كل ست سنوات، أو رئيس الوزراء، أو، بنوع خاص، تأليف حكومة) ليس بيدنا، وكأنها مشيئة القدر التي لا تُقاوَم أن يعيش الشعب اللبناني فراغا قاتلا في الحكم، وكأن الأمر طبيعيّ جدا، خاصة بالنسبة للسياسيين، ومقبول، ومُسَلَّم به، لا بل مُرَحّب به، ولا يستحقُّ أن نقلقَ بشأنه.

عندنا مجلس نيابيّ مُنتَخَب من الشعب وله رئيس، وعندنا مجلس وزراء وله رئيس، وعندنا رئاسة جمهورية ولها رئيسها. وعندنا قضاء، وعندنا جيش وقوى أمنية، وعندنا أعداد هائلة من الموظفين. كلّ ذلك يُسَمّى “دولة”. الدولة، وهي بنت الشعب، وظيفتها وواجبها أن تحكم الشعب بالقانون وبالعدل والحزم، وأن تخدمه وتعامله باحترام وتواضع، وأن تؤمّنَ وتحميَ استقرارَه وأمنه وازدهاره وحريته واستقلاله وكرامته ضدّ أيّ معتدٍ، وأن تعود إليه، من خلال المجلس النيابي والوزاري، لاستفتائه، حين الضرورة، حول مسائل مصيرية تهمّه، ومعرفة رأيه والأخذ بحكمته وتوجيهاته، مباشرة لا من خلال الإعلام المتعدِّد الولاءات والمصالح كالسياسيين.

كل ذلك، في الظاهر، حسنٌ وضروريٌ، أي كل هذه البُنَى الأساسية الضرورية التي تتشكل منها “الدولة”. أما في حقيقة الأشياء، فكل شيء في لبنان، ودون أيِّ استثناء، “مُسَيَّس” وتفوح منه روائح المال، أي، بكل بساطة، خاضع لاعتبارات وتأثيرات لا تمتّ بأية صلة إلى مصلحة الشعب وخيره، إنما تصبّ في مجرى مصلحة السياسيين وموظفي الدولة قبل كل شيء، ومصلحة دول خارجية تموّل، بسخاء، ولاء هؤلاء السياسيين لها. وهذه الدول هي التي تحكم لبنان، وتتحكّم بإرادة الشعب اللبناني وبوجوده ومصيره، من خلال تحكُّمِها بالسياسيين المُطيعين الأوفياء لها، لا لأبناء وطنهم. هذا الأمر ليس سرّاً. لقد صار معروفا من الجميع. لا أحد من السياسيين المرتبطين بالخارج يستحي بذكر هذا الأمر. الإعلام، مثلا، يتحدث علنا عن المبالغ التي تدفعها بعض مراكز المال الخارجية لدعم مرشحين مُعَيَّنين ضدّ مرشحي المقاومة وحلفائها، وعن زيارات يقوم بها، خلال الحملات الإنتخابية، بعض السفراء العرب لبعض المناطق، بمعية حلفائهم في الداخل، من أجل “شّد العصب” المذهبي ضدّ المقاومة وحلفائها، بالكلام المناسب، وطبعا، بالمال اللازم.

لسنا، هنا، بِصَدَدِ تقديم لائحة بالأسماء والوقائع تثبت صحّة ما نقوله. يكفي تتبُّع الأخبار، كل يوم، والعودة بالذاكرة، او بواسطة مصادر الإعلام إلى أخبار الأمس البعيد والقريب، للتيقّن من صحَّة هذا الأمر. ومن أجل المزيد من التحقق والتثبُّت والتيقّن من “تقليد” إرتباط زعماء الطوائف اللبنانيين بالخارج، والتبعية له، للإستقواء على بعضهم البعض، ولتكديس الثروات، لا لزوم للعودة إلى أيام العثمانيين، وحكم المتصرفية، وكل حقبات الإحتلالات المعيبة في تاريخ لبنان القديم والحديث.

الموضوع المهمّ بالنسبة لنا، هو، في الحقيقة، أن نركّز على إيجاد طريقة ما للتخلص من أمر واقع قرِفَ منه، وشبِعَ منه ومن تحليله، الشعب اللبناني الواعي، المغبون، الساكت، الضحية المخدوعة الدائمة ل”سياسة” زعماء، هو بنفسه، وهنا المصيبة الكبرى، قد اختارهم، ولا يجرؤ حتى على محاسبتهم لأسباب طائفية ومذهبية وعائلية. ما ينقص ويلزم هو أن يفعل اللبنانيون، معا، وبسرعة فائقة، بكل نخبهم، شيئا ما، يخرجهم من سجن الخارج ومن سجن الزعماء، الذي سُجِنوا، او بالأحرى سَجَنوا أنفسهم بين جدرانه أبا عن جدّ، ويحرّر الوطن، أي الشعب، مرّة واحدة وإلى الأبد، من عبودية مُذِلّة قد طالت عقودا لا بل قرونا.

فأين هي النخب وماذا تستطيع أن تفعل؟ هل تبدأ بالتحرّك؟ متى؟ كيف؟

نحن بحاجة إلى نخب وطنية صادقة في كل الحقول، خاصة في الحقل التربويّ والإعلامي والسياسي، تعمل معا، بتواضع وإخلاص وصدق، لتأخذ بشجاعة وإقدام مبادرة توعية الشعب، دون توقف ودون تعب وملل، على حقيقة ما يجري حوله في الخفاء والعلن، وتساعده على توحيد نفسه قبل كل شيء، وتكوين رأي واضح عن تاريخه وحاضره، وأخذ قرار صائب، قدر الإمكان، تجاه سياسييه، وتجاه الأحداث، وتجاه الدول، وتجاه التفاعل بين أحداث داخل الوطن وخارجه. نحن بحاجة إلى نخب مخلِصة، نزيهة، متحرِّرة من أي ارتباط ماليّ خارجيّ يستعبدها، ويستعبد الرأي العام والوطن، نخب متفرِّغة للقراءة والتفكير والتأمل والكتابة والمحاضرة والتأثير الصالح على الشعب والعمل بجدّية من أجل خير الشعب، لا تقضي وقتها في السفر واللهو وإطلاق التصاريح، تملك الإرادة والقدرة أن تحدّد بوضوح وصراحة وقوة للشعب، من هو هذا الخارج الذي يحكمنا، ومن هم في الداخل المتعاونون مع هذا الخارج، ومن هم أصدقاؤنا الحقيقيون، ومن هم أعداؤنا الحقيقيون. إن التحرك هذا للنخب يؤدي إلى مساعدة الشعب اللبناني على الإنتقال من حالة ظلمات الكهف والأسر والعبودية، إلى مرحلة أنوار الوعي والتحرّر، وأخذ المواقف المناسبة، الواضحة، من حكام الداخل والخارج، بحسب ما تقتضيه مصلحته، أي مصلحة الوطن، وحسب. بداية مواقف التحرر هي المحاسبة الواعية، الصامتة، الفاعلة، في صندوق الإقتراع.

هذا هو الواقع المثاليّ الذي نطمح إلى تحقيقه، في مقابل الواقع الحالي الذي نريد أن نتخلص منه، وهو واقع معقّد جدا، يعكس انقسام اللبنانيين بشكل مخيف، خطير، شعبا ونُخَبا وطوائفَ وإعلاميين وسياسيّين، ويعكس اصطفاف معظمهم النهائي، ولو مُكرَهين، وراء زعمائهم، في السراء والضراء، خاصة يوم الإنتخابات، ويوم يختلف الزعماء وتشتدّ الخصومة فيما بينهم.

(هنا، وبين هلالَيْن، نتوقف قليلا عند سؤال يطرح نفسه بقوة: أين هم الأغنياء الصالحون لا يتطوّعون لتمويل ودعم نشاطات النخبة السياسية والفكرية الجيدة المستقلة، كي تستطيع هذه النخبة أن تتفرّغ لأداء دورها النبيل على أكمل وجه، دون القلق على لقمة عيشها ومصيرها؟ لماذا لا يموّلون هذه النخب الجيدة، بشكل دائم وسخيّ، وبالزخم عينه الذي يدفع متموِّلين آخرين إلى تمويل رؤساء الطوائف وزعماء السياسة وبعض نخب الفكر والإعلام لغايات غير بريئة؟ إن المموّلين الملتزمين بإخلاص وقوة بقضايا الشعب، هم قلة قليلة، ضعيفة الإيمان، غير مثابرة، سرعان ما تقرف وتيأس وتنعزل، وهذه هي الحقيقة المرّة المؤلمة. مما يدفع ببعض نخب الفكر، بسبب الحاجة القاهرة للمال، إلى التعرّض لتجربة الإرتماء في أحضان آلهة المال لخدمة مصالحها، وإلى الوقوع، في نهاية الأمر، في فخّ نكران مبادىء الصدق والنزاهة والشهامة، والوفاء للشعب).

فلنكمل، الآن، سياق تفكيرنا:

ثمّة نزعة عند بعض السياسيين اللبنانيين ومن يؤيدونهم في الإعلام، ألا يسمّوا الأشياء بأسمائها. وهذا دليل على نقصان في فضيلة الصدق والشجاعة. مصلحتهم الشخصية المالية و/أو المذهبية التي تربطهم بالخارج القريب الإقليمي، وبالخارج البعيد الغربي العالمي، وتجبرهم على طلب رضاه، تفرض عليهم، مثلا، ألّا يذكروا عدوَّنا القابع بقربنا على الحدود الجنوبية (ووجوب مقاومته)، ضمن دولة تلمودية عنصرية، وضمن أرض سرقها من شعب يتجنّب هذا العدوّ حتى أن يذكر إسمه وقضيته، لا بل درج على عادة نكران وجوده ثم تسميته ب”الإرهابي”، وتسمية أرضه المسروقة ب”أرض بلا شعب”، بعد أن نكّل بهذا الشعب وطرده وهجّره، وما زال يتحيَّن الفرص للتخلص ممن بقي منه في هذه الأرض المسروقة. وهذا العدوّ الذي يستحي بعض السياسيين اللبنانيين من ذكر إسمه كعدوّ ينبغي مقاومته، كما ينبغي احترام المقاومة التي قدّمت الشهداء في مجابهته وردعه، رغم أن هذا العدوّ قد دمّر وطننا لبنان بالذات مرات عديدة، وما يزال يهدّد بتدميره كل يوم، ودمّر دولا عربية أخرى قوية من خلال مرتزقة إرهابيين، بتأييد ومعونة حلفائه الإقليميين والدوليين المعروفين، كي لا تشكل أي خطر على وجوده “المقدس”. هذا العدوّ العنصري محميّ من الدول الكبرى القوية التي ساهمت بزرعه بالقوة هنا في الشرق، وفي الأرض التي ولد فيها المسيح، بنيّة السيطرة على شعوب المنطقة بأسرها، ومن ثم الإنطلاق من هذا الشرق للسيطرة على بقية الشرق الأوسط والأقصى، كما خطط لذلك أرباب الصهيونية “المتنوّرون” في نهاية القرن التاسع عشر، بقيادة عائلة روتشيلد الفرنسية التي ما زالت ناشطة حتى اليوم في سعيها لحكم الكرة الأرضية. وهذا العدوّ، في نهاية الأمر، هو، شئنا أم أبينا، يحكمنا من خلال الدول الغربية، ومن خلال بعض الدول العربية التي قرّرت، خدمة لمصالحها المالية الخاصة واستمرارية حكمها، أن تتعامل، في السرّ من زمان بعيد، وعلنا اليوم، مع هذا العدوّ، كصديق، لا بل كقريب حميم بالروح والدمّ، ومع حماته في الغرب. كل هذه الحقائق غير مسموح لفريق كبير من اللبنانيين المرتبط بالخارج ماليا، والمتعاطف مع هذا العدوّ ومع حماته، أن يذكرها.

الدولة الكبرى المعروفة التي تؤثّر على مجريات السياسة العالمية دون منازع، ممنوع أيضا ذكرها بالإسم على لسان معظم السياسيين المؤيدين لسياستها، وممنوع ذكر أعمالها السيئة في كل مكان. لا بل هم يؤيدون، دون تحفظ، سياستها، حتى ولو كانت مضرّة بوطنهم لبنان وبالشعب الذي انتخبهم، ويطلبون رضاها ودعمها لبناء جيوشهم الخاصة (لا جيش لبنان) لحماية أنفسهم فقط (لا شعب لبنان وأرضه)، وبناء قصورهم وقلاعهم وحصونهم وأمجادهم وسعادتهم (لا بيوت وسعادة الفقراء ولا المدارس والجامعات والمستشفيات ودور العجزة والأيتام)، ولشراء يخوتهم وطائراتهم الخاصة، وإنعاش “إقتصادهم” الشخصي (لا إقتصاد الوطن المنهار). وهذه الدولة “العظمى” تحكم لبنان من زمان بعيد، وتوكِل، أحيانا، حسب الظروف وحسب مصلحتها، إلى دول أخرى، تُسَمَّى ب”إقليمية”، أمر إدارة لبنان (المستقلّ والسيّد والحرّ فقط شكليا).

الدولة العربية النفطية (مع أخواتها) المحكومة من الغرب، والتي تحكمنا من خلال المتعاطفين معها في لبنان مذهبيا و”روحيا” بواسطة إغداق المال الوفير عليهم، يستحي أو يخاف بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين الخاضعين لمالها ونفوذها، من ذكر إسمها إلا بالحسنى إن اضطروا لذلك، أو من ذكر أي دور سلبيّ لها في تعطيل إدارة شؤون لبنان، مستعملة أدواتها في الداخل. إنها، مثلا، تتدخّل في كل مراحل الإنتخابات النيابية، وفي انتخابات الرئاسات الثلاث، وفي تأليف كل وزارة. وهي تعمل، في الخفية، على عدم السماح بتسليح الجيش تسليحا كاملا في الوقت الذي منحت فيه لبنان “مكرمة” سخية جدا (قد أوقِفَتْ فيما بعد)، علنا، بحجة تمويل الجيش. لم يستفِدْ الجيش بشيء من هذه المكرمة. غير أنها جعلت بعض السياسيين في لبنان، من طلاب المال والغنى، ومستحقي “المكافآت” على أدائهم المخلص لآلهة المال، يهلّلون ويرقصون لها طربا. وأيضا، خلقت هذه الدولة النفطية التي تحكمنا، وموّلَتْ جماعات تكفيرية إرهابية في سوريا والعراق وفي أرضنا وعلى حدودنا، وادّعت محاربتها، وساهمت (وما زالت) بتدمير اليمن وساهمت بتمويل “الربيع العربي” الدموي في شمال أفريقيا.

والسبحة تطول إلى ما لا نهاية. إن مجرّد اعتراف السياسيين اللبنانيين بتأثير هذه الدولة (وغيرها) عليهم وبامتلاكها لأرواحهم، لهو خسارة مالية ومعنوية و”انتخابية” كبرى لهم، خسارة لا يريدونها لأنفسهم. لذلك فهم لم ولن يقرّوا أبدا بهذه الحقيقة، ويصرّون على المثابرة في غيّهم. ولذلك أيضا، تاريخ شعب لبنان تاريخ تعيس، كونه لم يفرغ أبدا من مهازل/مآسٍ من هذا النوع، مرعبة ومقزِّزة للنفس.

نطرح باستمرار، على أنفسنا، السؤال الملحّ: هل من سبيل إلى التحرّر؟ متى يحكم الشعب اللبناني نفسه بنفسه؟ وكيف؟

السبيل الوحيد المؤدّي إلى حالة التحرّر من كل هذه الأصفاد والأغلال القوية التي تقيّد الشعب اللبناني وتعيق وحدته، واستقلاله، ونموّه، وازدهاره، وتسلبه إرادتَه وأمانه وآماله وماله وسلامه وعنفوانه وكرامته، هو تجرّؤ النخب الواعية، المخلصة، المتحرِّرة من عبودية الخارج (والمموّلة من أثرياء الداخل الصالحين، وهم كثر) على الإضاءة الدائمة على هذه الحقائق، حقائق الإرتهان للخارج، دون هوادة ودون خوف، وتوعية الشعب اللبناني على واجباته وحقوقه، بدءًا بضرورة حسن اختياره لممثليه في الحكم في صندوق الإقتراع، وملاحقتهم ومراقبتهم من أجل محاسبتهم على أدائهم. هنا تكمن البداية، بداية الوعي والتحرّر. إنه لَعَمَلٌ عظيم، حقّا، لو يفعل أهل النخبة ذلك ويثابرون عليه. وإنه لإنجاز عظيم أيضا لو يستطيعون، إلى جانب توعيتهم للشعب، أن يؤثّروا إيجابا (ولو بدا ذلك شبه مستحيل) على معظم السياسيين اللبنانيين المتورّطين مع الخارج هم وإعلاميوهم، من أجل أن يغيّروا سلوكهم السيّء، وأن يخلقوا جوّا أجمل، وأفضل، وأسلم، وأشرف، واسعد، للشعب اللبناني.

هل تعمل النخب كلها، ومعا، شيئا ملموسا في مجال الجهر بالحقيقة والتوعية الشاملة للجميع؟

هل تنجح النخب الواعية القليلة بتوعية نخب نائمة، غارقة في سكرة الوجاهة والمجد والعظمة وعبادة الذات، وهي تُسَمّى، بفخرٍ وجدّية في أوساطها المحلية الضيقة وفي عالم الإعلام، ب”فاعليات البلد”؟

ماذا عن “الفاعليات” الوطنية المرتبطة بآلهة المال في الخارج، والمرتهنة لمشيئتها، والتي ترفض أن تفكّ هذا الإرتباط، أو حتى أن تقرّ به، لا بل تحاول أن تورثه لذرّيتها من بعدها، برأس مرفوع، وبضمير مرتاح، وتعوّد أبناءها وأقاربها باكرا على الحجّ معا إلى معابد آلهة المال، للتعرّف على هذه الآلهة عن كثب، والسجود لها ولأصنامها بخشوع واحترام، وطلب رضاها، ومتابعة تقليد التبعية والإستعباد والذلّ؟

إن عملية التوعية هذه، هي بالفعل عملية في غاية الصعوبة. كما هي العادة في كل مرّة نحاول أن نقارب ونواجه فيها الوضع اللبناني المُعقَّد، والذي يبدو، أحيانا، وكأنه وضع ميؤوس منه، فإن الأمل، والأمل وحده، يحدونا إلى متابعة كتابة ما نكتب. ويشتدّ هذا الأمل في قلوبنا كلما اكفهرّت سماؤنا بغيوم باطل الساسة الخونة، خونة أنفسهم وخونة شعب الوطن، وكلما ضجّت نهاراتنا وليالينا ببروق ورعود خطاباتهم و”إنجازاتهم” المرعبة الرهيبة، وبأصوات بومهم وغربانهم وخفافيشهم، وبنقيق ضفادعهم، وفحيح حيّاتهم وأفاعيهم، ولسع عقاربهم، وبكل أنواع سموم الفتن التي ينفثها باستمرار هؤلاء الساسة المنافقون، الفاسدون، الضالون، في أجواء وطن الأرز الخالد، وعلى شركاء الوطن الأشراف. إنهم يلوِّثون، باستمرار، سماءَه الصافية، ويدنّسون أرضَه المقدّسة. إنهم ساسة الداخل المتكبرون، عبدة ذاتهم وعبدة الأصنام والمال، وأتباع أسيادهم ساسة الخارج، أبالسة المال والخبث والكذب والشرّ.

نستوحي ونستلهم، هنا والآن، قول بولس الرسول في رسالته إلى أهل روما (رو 5: 20): “وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيئة. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيئةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا”. نحن، أبناءَ النعمة والرجاء الصالح، وطالبي النعمة، نعمة الإيمان بإله الخير والحق والسلام والمحبة والفرح والصدق والجمال، نحن، المشتاقين إلى يوم خلاص من سطوة الشرّ ومستنقعاته الآسنة، الموبوءة، وسجونه البشعة، وآلات تعذيبه الهائلة، ما زلنا، على هذا الرجاء الصالح القوي، نؤمن بالله وبأنفسنا، ونؤمن ببقية باقية صالحة في هذا الوطن، هي خميرة فكرية، وأخلاقية، وروحية، وعلمية، جيّدة، تكفي لتخمير جسد العجين اللبناني كله. ونؤمن إيمان اليقين بأنه سيأتي يوم، وهو ليس ببعيد، لا بل هو حاضر الآن، نطرد فيه كل الأرواح الشريرة من هيكل أرض وسماء وطننا لبنان، ونصرخ جميعنا، وبصوت واحد مُدَوٍّ:

نحن، أبناءَ الشعب اللبناني الواعين، الأقوياء، الأحرار، الأخيار، الأتقياء، الأنقياء، الصادقين، الودعاء، نحن، وحدنا، نقرِّر من يحكم لبنان، اليوم وغدا وإلى الأبد، من خلال اختيارنا وبنائنا لحكم القانون والنظام والمؤسسات، حكم عادل، شريف، منتج، مقاوم، ولتربية وطنية واحدة، صحيحة، ولإعلام وفيّ، صادق، ولقضاء حرّ، نزيه، ولجيش قويٍّ. ولن نسأل أنفسنا، بعد اليوم هذا السؤال: هل نحن نحكم لبنان؟