موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

قصة ناديا

بقلم رمزي طوال

قاد القدر ناديا، تلك الشابة الجميلة، إلى عمّان بعد أن فقدت والديها في انفجار سيارة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

ظلّت الفتاة الفلاحة، التي كانت تبلغ من العمر 16 عاماً، أمية، فهي بالكاد حصلت على التعليم الرسمي. وبعد أن فقدت أمها، وأباها وأخويها الاثنين وأختها، غادرت القرية بصحبة عائلة جيرانها الذين كانوا متجهين إلى الأردن.

استقرت العائلة مع ناديا في حي من أحياء عمّان الشرقية، وراحت هي تعمل أحياناً كمساعدة منزلية للعائلات الثرية، لأنها، وإن كانت أمية، إلا أنها احتفظت بكرامتها ورفضت أن تكون عبئاً على العائلة التي تبنتها.

ما إن رآتها سيدة من الجيران، وهي أم لثلاثة أبناء وابنتين، حتى أعجبت بجمالها والبراءة في وجهها، وقررت أن تطلب يدها للزواج لابنها البكر فرحان. لم يكُن لناديا أي رأي في المسألة، فكانت غريبة بصحبة عائلة تبرعت لرعايتها، وكان زوجها المستقبلي ذا إعاقة، فمسألة إيجاد فتاة مثلها كانت أشبه بالحلم الذي تحقق بالنسبة له.

بعد عامين من زواج ناديا وفرحان، قررا الهجرة إلى أميركا الشمالية برفقة عائلة فرحان، ولم يكُن لناديا وفرحان أي أطفال حينها. استقرت العائلة في بلدة متوسطة الحجم في كندا. وكما هو الحال بالنسبة لمعظم العائلات المهاجرة، عاشوا في شقة واحدة عند وصولهم إلى كندا. وبعد بضعة أشهر، غادر الشقيقان للعمل خارج البلدة، بينما بقيت الشقيقات الثلاث مع الأب والأم، وفرحان وزوجته ناديا.

وكما جرت العادة، كانت ناديا وحيدة بلا أي دعم من العائلة والأصدقاء، فاستغلت العائلة وجودها وعاملتها كخادمة تقوم بمهام الطبخ والتنظيف وغيرها من المهام المنزلية. واعتمدت الشقيقات على والديهن وأشقاءهن الذكور في معيشتهن. كان فرحان ذا إعاقة ولم يستطع العمل، ولكن الحكومة الكندية وفرت له راتباً بسبب الإعاقة، وأُرسلت في بعض الأحيان ناديا لتنظيف البيوت والحصول على المزيد من المال.

بعد سنة من وصولها إلى كندا، أنجبت ناديا ابنة بصحة جيدة، وأسموها جنا. لقد قيل لفرحان في السابق بأنه لن ينجب أبداً، ولكن بفضل الطب المتطور في كندا، استطاعت ناديا الإنجاب.

على الرغم من أنها أمضت سنة كاملة في كندا، لم تتمكن ناديا من التحدث بالإنجليزية. وبما أنها أمية بالعربية، قررت ألا تذهب للمدرسة الحكومية لتعلم الإنجليزية. لم تغادر شقتها قط إلا بصحبة أحد أشقاء زوجها. وفي كل مرة كانوا يخرجون فيها للتسوق، كانوا يأخذونها معهم لتحمل هي المواد التموينية أو الحاجيات الأخرى.

في بعض الأحيان، كانت الشقيقات يأخذنها معهن للتسوق، ولكن لم يشترين لها أي شيء. كانت ملابسها إما مستعملة أو ممّا يتبرع به الآخرون لها بمن فيهم الشقيقات. كان كل ذلك يحدث بمباركة والدة فرحان، التي كانت تدير شؤون العائلة كون والده لم يتمتع بشخصية قوية بما يكفي.

في أحد الأيام، اصطحبت الشقيقات ناديا معهن إلى المجمع التجاري. كن يحملن الأكياس وطلبن من ناديا أن تجر العربة، وكن يسرقن الحاجيات من الأسواق ويضعنها في العربة، ويطلبن منها أن تغادر المتجر عندما يكون العاملون مرتبكين بسبب موعد الإغلاق. لقد وضعن جينزاً باهظ الثمن في الكيس وتركنها تغادر كالعادة، ليوقفها الأمن المسؤول عن المتجر. تم احتجازها في المتجر إلى حين وصول الشرطة التي كبلت يديها وأخذتها إلى السجن. لقد كانت الفتاة المسكينة أشبه بـ”الرقيقة” التي لم تتعرض للضرب باستمرار من قبل العائلة وحسب، وإنما استخدمت أيضاً لتغطية أعمالهم غير القانونية.

أثناء التحقيق، تبيّن أنها لم تكن على علم بما يجري. وبما أنهم لم يملكوا أي دليل على أن الشقيقات هن السارقات الفعليات، فقد أطلقوا سراحهن. وأمضت الفتاة المسكينة ناديا يومين في السجن مع المومسات والمجرمين. لقد كانت تجربة مرعبة، والأسوأ من ذلك أنها كانت حبلى.

عندما أنجبت ناديا الطفلة، منحتها الحكومة شقة منفصلة مع فرحان، ولكنها في العمارة ذاتها. لم يغير ذلك شيئاً مع شقيقات فرحان ووالديه. كان عليها أن تذهب إلى شقتهم لتنظفها وتقوم بالمهام الأخرى. لم يكترث أي منهم لكونها أصبحت أماً لطفلة حديثة الولادة، ولم يفرح أي منهم لأنها أنجبت بنتاً. نسوا جميعاً ما عانته حتى تنجب بسبب ظروف شقيقهم الصحية.

كان فرحان يشبه والده كثيراً بشخصيته الضعيفة وحماقته. ذات مرة، عندما رُزق أحد شقيقيه الأصغر سناً بمولود، كان فرحاً للغاية واشترى الحلوى وبدأ يرمي بها من الشرفة. كان يقيم في الطابق الحادي عشر ووقعت الحلوى على رأس مدير البناية الذي انتفخ رأسه من الإصابة. وبالطبع وجه له تحذير شديد اللهجة.

قرّر أبو فرحان التضحية، فاشترى خروف صغير ودعى أطفال بعض الجيران لرؤيته. ربط الخروف في حوض الاستحمام ولم يُخبر أي من الوالدين أو الأبناء عن نيته الحقيقية. وبينما كان الأطفال يلهون مع الخروف ويتحسسون جلده، أوقفهم وقرر أن يعلمهم كيف يذبحونه. بدأ الأطفال بالصراخ حتى أن أحدهم أغمى عليه من منظر الدم السائل من رقبة الخروف. وقد أدت تلك الحادثة إلى انتهاء العلاقات الودية.

ذات يوم، جاء أحد الأشقاء الأكبر سناً إلى المنزل وطلب من ناديا أن تقوم بكيّ بنطال البدلة. وبينما هي تكويه، انشغلت بأمر آخر إما من الشقيقات أو الأخ الآخر، ونسيت المكوى الساخنة جداً فأحرقت البنطال، لتحل كارثة في المنزل.

كانت تعلم بأنها ستتعرض للضرب، فلحق بها أحد الأشقاء والشقيقة الأصغر سناً إلى شقتها. وبينما هي تهم بالدخول إلى الشقة، أغلقوا الباب عليها، فعلق نصف جسدها في الداخل وبقي نصفها الآخر في الخارج. ضربتها الشقيقة بالمكنسة على رأسها وعلى ذراعها. نجحت أخيراً بالدخول وإغلاق الباب وكانت الطفلة داخل الشقة طيلة الوقت. لم تعرف كيف تتصرف فذهبت إلى الشرفة وبدأت بالصراخ والاستنجاد بالناس الموجودين في الشارع، فأخبر أحدهم الشرطة على الرغم من أنهم لم يفهموا ما كانت تقول بالعربية. جاءت الشرطة للتحقيق في الحادثة، وكانت آثار الضرب واضحة للعيان.

بعد التحقيق، تبيّن بوضوح أنها حالة عنف أسري، فأخذها المسؤولون عن الخدمات الاجتماعية إلى ملجأ للنساء مع ابنتها التي كانت تبلغ من العمر آنذاك ثلاثة أعوام. ما يثير الاهتمام أن الشقيقات والأم سرقن كميات كبيرة من الملابس واعتدن وضعها في شقة ناديا للتغطية على الأدلة. وعندما جاءت الشرطة لإنقاذها، أخبرتهم عن الخزانة التي يتم تخزين المسروقات فيها، بما في ذلك معطف الفرو الذي يبلغ ثمنه 5 آلاف دولار والذي لا يزال يحمل بطاقة السعر والمتجر عليه.

بسبب ضعف مهاراتها اللغوية، سبَّبت ناديا المشاكل لنفسها، فلم تتمكن من شرح كيفية الحصول على كل تلك البضائع المسروقة، ولم تتمكن من إعلامهم بأن تلك المسروقات تعود لعائلة أبو فرحان وليست لها. أُخذت إلى المحكمة وأخذت حكماً مخففاً مع وقف التنفيذ بسبب حضانة ابنتها صغيرة السن بشكل رئيس.

توفر الحكومة الكندية خدمات المساعدة القانونية المجانية للفقراء والناس الأقل حظاً، وقد استفادت من هذه الفرصة وطلبت من صديقتها وجارتها أن تأتي للترجمة أمام المحامي. وفور معرفة العائلة بأنها قامت بالترجمة، أصبحت عدوة العائلة اللدودة وقد تم إعلام كل الأصدقاء المشتركين بأنها خائنة ويجب معاداتها.

اتصلوا بصديق آخر للعائلة وأحد وجهاء المجتمع للترجمة، والذي كان الجميع يعرف أنه لن يتأثر بمحاولات العائلة لثنيه عن المساعدة. تمت تسوية القضية لصالحها، وتم إبعادها عنهم، فهي تعيش اليوم على بعد 150 كيلومتراً، وحصلت على مساعدة الحكومة التي منحتها شقة بغرفتي نوم. ناديا وابنتيها محميات بقوة القانون.