موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

العشاء الآخير بين هرطقة الغرب و جهل العرب \ فهد الطاهر

قام الإعلامي محمد الوكيل بالإعتذار عن نشر صورة فيها إساءة للسيد المسيح له المجد على موقعه. فبعد إنكارنا ورفضنا لما إحتوت الصورة التي أعتقد جازماً أنّ “المتدربة” لاتعلم ماذا تعني و بدلاً من أن نرمي بعضنا بالزندقة و “نتراشق بالهرطقة” إليكم هذه المعلومة وأرجو منكم نشرها و مشاركتها، وأعفي الجميع من ذٍكر المصدر عند النشّر لتُعم الفائدة.

فهد الطاهر – عمّان 10كانون الأول 2018

 

 اللوحة التي تناقلتها مواقع التواصل الإجتماعي إسمّها “العشاء الآخير”، و هي لوحة جدارية تعود للقرن الخامس عشر للفنان الإيطالي ليوناردو دا ڤينشي وهي بالتأكيد أحد أكثر اللوحات شهرة وتعتبر من أبرز الأعمال الفنية الكلاسيكية. ولكن شُهرت هذه الجدارية لم تُكتسب لجمال ألوانها ولا لقٍدمها ولا لتغطيتها جدارا من جدران الردهة التي كانت قاعة طعام لرهبان دير “السيدة مريم المقدسة” في ميلانو بإيطاليا الذي أُنهيّ بنائه بالعام  1469على يد المهندس الإيطالي “جويني فورتي سولاري” بعهد دوك ميلان “فرانسيسكو الأول سفورزا” المُدرج بقائمة المواقع التراثية العالمية من قبل “اليونسكو”.

 

بل إكتسبت جدارية “العشاء الآخير” هذه الشهرة لقداسة معناها لدى المسيحيين لتجسيدها “العشاء الأخير” الذي تناوله السيد المسيح له المجد مع تلاميذه الاثني عشر، وهو العشاء الذي ذُكرت قصته بالقرآن في سورة المائدة من الآية رقم 110 إلى الآية رقم116 .

 

إستلهم داڤنشي في تصويره لتلك الجدارية ما جاء في الكتاب المقدس من العهد الجديد في إنجيل متى بالإصحاح السادس و العشرين، حيث يعتقد المسيحيون بأنه أخر عشاء للسيد المسيح له المجد عشيّة آلامه قبل أن يقوم “يهوذا” وهو أحد تلامذة المسيح الإثني عشر والمعروف لدى المسلمّين و المسيحييّن “بيهوذا سمعّان الإسخريوطي” الذي خان وسلّم المسيح له المجد ويجب أن يُميّز عن الرسوليهوذا تدَّاوس” لمن إختلط عليه الأمر.

 

هذا  الحدث شديد الأهمية، وهو الحدث الذي تأسس به سر القربان، وقدّم فيه السيد المسيح خلاصة تعاليمه وهو العشاء الذي يُعرف أيضاً بسر الأفخارستيا أو سرالتناول أو القربان المقدس. و يعتقد المسيحيون بأنه يمُثل التعبير المرئي للكنيسة ويحتفون به بتناول قطعة صغيرة من الخبز تعرف “بالبرشان” والتي يعتقدون أنها تمثل جسد السيد المسيح و تُغمسّ أحياناً قطعة الخبز في القليل من الخمر الذي يعتقدون أنه يمثل دم المسيح.

 

فلهاذا هي ليست مجرد جدارية كلاسيكية، أو عمل فني عتيق. بل هي تجسيد لعقيدة ودين في حدث يقع في قلب الدين المسيحيّ وهذا ما يفسر الحساسية و الإمتعاض الشديدين من الصورة التي نُشرت.

 

بالرغم من وجود عدة لوحات بنفس الإسم و لنفس الحدث ولعل من أبرزها لوحة الفنان “جيرلاندايو” الفلورنسي الإيطالي والموجودة في إحدى قاعات قصر “ديغلي أوفيزي” في فلورنسا بإيطاليا. إكتسبت هذه الجدارية شهرتها بشكل كبير جداً بسبب الرواية الأدبية الشهيرة، للروائي البوليسي الأمريكي “دان براون” بعنوان؛ “شفرة داڤنشي”، التي نشرها في العام 2003، والتي يريد بها الكاتب إحياء نٍزاع كنسيّ يعود للعام 325 وتحديداً بالعشرين من آيار في ذلك العام. الذي أُرخّ وقتْ إجتماع المُجمع المسكونيّ الأول أو ما يعرف بـٍ مجمع نيقية الذي حضر إفتتاحه الامبراطور” قسطنطين الأول” أو ما يُعرف عنه في أواسط الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية “بالقديس قسطنطين العظيم”، فعُقد مجمع نيقية بنائاً على تعليماته لدراسة الخلافات في كنيسة الإسكندرية بين “آريوس “واتباعه من جهة وبين” الكسندروس الأول” وأتباعه من جهة أخرى للتّدارس والبتّ والإقرار حول طبيعة السيد المسيح له المجد أهي نفس طبيعة الرب أم طبيعة البشر؟

 التي أنكر بها آريوس أزلية السيد المسيح حيث قال أنه كان هناك وقت لم يكن السيد المسيح موجوداً فيه، واعتبره رفيعاً بين مخلوقات الله ومِنْ صُنْعِهِ، كما إعتبر أن “الروح القدس “من صُنْعِ الله أيضاً. بينما أكد الكسندروس الأول (بابا الإسكندرية) على أن طبيعة المسيح هي من نفس طبيعة الله وتغلب رأي الكسندروس الأول بالاقتراع ورفض آريوس وأثنين من القساوسة بإصرار التوقيع فحُرقتْ كُتب آريوس وسميّ مذهبه “ببدعة أريوس” ووصم أتباعه إلى اليوم بلقب أعداء المسيحية.

 

عودة للرواية التي تمت ترجمتها إلى ثمانين لغة كما قرأ الكتاب أكثر من 60 مليون شخص وهي نفس الرواية التي قام المخرج الأمريكي “رون هاورد” وكاتب السيناريو “اليهودي” النيويوركي الموّلد “آكيڤا جولدزمن” لتحوّيلها إلى الفيلم الشهير الذي يحمل نفس إسم كتاب دان بروان “ذا دا ڤينشي كود” من باب التأطير الإعلامي لفكرة الكتاب التي تقول “أنه خلال القرون الأولى للمسيحية لم يكن هناك إعتقاد بألوهية المسيح، ولكن كانت النظرة له أنه نبي عظيم وقائد فذ وبشر فإن، وأن قرار ألوهيته أتخذ على يد البشر في القرون اللاحقة أثناء تأسيس الكنيسة نفسها بشكلها الذي عرفه العالم، وبما أن المسيح كان إنساناً عادياً في المقام الأول فقد أحب وتزوج، ولكن تزوج ممن؟ “تزوج من مريم المجدلية عليها السلام”، كما تزعم الروايه أن المسيح أنجب من مريم المجدلية ذرية ذات دم مقدس وجسد مريم المجدلية عليها السلام كالوعاء المقدس أو كانت كلكأس الذي حمل سلالة السيد المسيح الملكية.

 

لهذا قرر القائمون على الفلم، كما الكتاب إستخدام صورة “الموناليزا” المعروفة كغلاف للكتاب و بوستر الفلم بالرغم من أن الأحداث والقصة تدور حول لوحة “العشاء الآخير” التي رسمها ليوناردو دا ڤينشي وليست لوحة جيرلاندايو، التي تحمل نفس الإسم والمعنى والمرسومة في نفس الفترة الزمنية للتغطية على حقيقة الفكرة التي يراد التأطير لها إعلامياً بإستخدام تكتيكات نفسية كإدعاء أن من كان عن يمين المسيح هي “زوجته” مريم المجدلية عليها السلام بينما يجمع المؤمنون المسيحيون جميعاً على أنه يوحنا الرسول الذي بدا بدون لحية لأنه كان شاياً في مقتبل العُمر و أصر كل الرُسّل عُمراً كما ظهر الرسول “فيلبس” بدون لحية.

 

ولهذا السبب تم إختيار جدارية الفنان الإيطالي “ليوناردو دا ڤينشي” وتفضيلهم لها على لوحة الفنان “جيرلاندايو” الفلورنسي الإيطالي التي تحمل نفس الأسم لأن جدارية ليوناردو دا ڤينشي لم تضع “هالة” حول الرؤوس والهالة حول الرؤوس تفيد بالقدسية كما أجمعت كل الرسومات على رسم القديسيين والسيد المسيح بوجود هالات.

 

فخلاصة هذا المبحث الذي لا أريد الإطالة به أكثر، في هذا الباب خصوصاً، لوجود الكثير من الأحداث التي تُبنى عليها العقائد سواءً عند المسيحيين أو المسلمين وخصوصاً مواضيع الدين المقارن و التأطير التاريخي الذي أتبع لكثير من المؤرخين و تعديلات المتأخرين لها ما لها و عليها ما عليها والهدف من هذه المقالة هو شرح مبسط لـٍ1500عام لتوضيح لماذا جدارية الـ “العشاء الأخير” هي رمز مقدس عند المسيحيين، وهي ليست مجرد عنوان فني كلاسيكي وهذا ما يفسر إمتعاض المسيحيين و جرح مشاعرهم.     

 

الذي أريد أن يخرج به من يقرأ هذا المقال، أن هناك حرباً شعواء على المشرق، مع إعتراضي على أطروحات “صمويل هنتنغتون” في صراع الحضارات. والمسلم و المسيحي المشرقي يراد له أن يكون وقوداً في أتون هذا التجاذب الدولي، ذو الطابع الأمني و العسكري الذي ينعكس سلباً في كثير من المواقف على المجتمع و السلم الأهلي خصوصاً على إمتداد جغرافيا الوطن العربي و أريد أن أحيلكم لمقال كتبته بهذا الخصوص بعنوان “المسيحيون هم الهدف القادم” يصف واحده من هذه المعارك التي يخوض الغرب ضد ابناء الشرق بالميدان الديني.

 

فيجب علينا أن نكون حذرين من الإنسياق وراء العصبيات التي يراد لها أن تكون باباً للأحداث الأمنية والقلق الإجتماعي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار؟… قالوا: بلى يا رسول الله, قال:” كل هين، لين , قريب , سهل” فعلى هذا الموقف أن لا يكون باكورة تصّيد من قبل أي طرف للآخر.  فالأمن العام هو واجب مشترك بين المواطن والدولة وتحكيم العقل والتريث من شيم الأقوياء.

 

فهد الطاهر

ناشط يساري فلسطّيني

fhd.altaher@gmail.com