موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

اسباب ونتائج خلافات اللبنانيين المزمنة-هل من بارقة أمل بالخلاص

(إيلي أنطون شويري)

مقدمة: تاريخ من الخلافات

إن تاريخ اللبنانيين تاريخ مليء بالعنف لكثرة الغزاة والمحتلين لأرض لبنان واضطرار اللبنانيين للدفاع عن انفسهم والبقاء في أرضهم. الخلافات الدينية والمذهبية العنيفة (التي ساهم المحتلون في تاجيج نارها) طبعت العلاقات بين طوائف لبنان بطابعها الدموي على مدى قرون. حتى بعد الإستقلال، ظل الزعماء اللبنانيون يختلفون، حتى يومنا هذا، على مصالحهم الشخصية، وتقاسم حصص الحكم والنفوذ والشعب، وخيرات وطنهم، وعلى معنى القومية والوطن والوحدة الوطنية، وعلى من هو عدوهم ومن هو صديقهم، وعلى وجوب مقاومة العدو أم لا، وعلى انتماءاتهم القومية والدينية المتعددة، المتناقضة، وولاءاتهم لمختلف الدول، إلا لوطنهم الواحد، لبنان.

لا خلاف بين أبناء الطوائف

في الحقيقة، إن الشعب اللبناني يتعاطف مع بعضه البعض في تعاطيه اليومي، بشكل طبيعيّ، عفويّ، دون تشنّج وحذر وخوف. لا أحد يشعر بأن ثمة أي خلاف حاد بين أبناء الوطن الواحد، لبنان. ولا نجد أحدا يكره وطنه ارضا وشعبا. في التعاطي اليومي بكل أشكاله وأنواعه، يشكوا الناس في لبنان همومهم لمن يلتقون بهم من شركائهم في الوطن، ويبدون حرقتهم على الأوضاع وقلقهم على المصير، ويلومون كلّ الساسة على المصائب التي حلّت بلبنان (فقر، بطالة، غلاء معيشة، اجور متدنية، ضرائب مرتفعة، تلوث، امراض، خطر العدو العنصري وارهابييه الدائم، فساد الحكم، تدخل الدول في شؤون الوطن، إلخ…) ويتصبّرون، ويرمون بحملهم الثقيل على الله. هذا شيء رتيب قد تعوّده اللبنانيون ويختبرونه كل يوم، بانتظار خلاص ما يأتيهم من السماء.

أين الخلاف إذًا؟ بين منْ ومَنْ؟ وعلى ماذا؟

الخلاف هو بين الزعماء: الأسباب والعوارض

لا نذيع سرّا إذا قلنا بأن الخلاف هو ببساطة بين الساسة وحدهم. كل شعوب الأرض تمرّ بتجارب تأخذ العبر منها، وتعاني من مشاكل يحاول سياسيوها وقادتها حلّها، وينجحون الى حدّ كبير في تخطي ضعفهم، والتقدم. أما في لبنان، فبالرغم من كل ما مرّ على شعبه من تجارب قاسية ومشاكل قاتلة، فهو ما زال يرزح تحت وطأتها، وهي في ازدياد وتفاقم متواصِلَيْن. إن معظم رجال السياسة هم دائما على خلاف في الحكم وخارجه، ويجرّون أتباعهم وراءهم، ويرمونهم في جمر خلافاتهم مع سائر الزعماء، ليحترقوا وحدهم فيه.

إنها، في الحقيقة، مشكلة أخلاقية مزمنة في نفوس الزعماء، تنعكس، بشكل آلي،ٍّ سلبي،ٍّ على الشعب اللبنانيّ. إن لعبة المصالح تتحكّم بهم، وتتحكّم بهم، ايضا، لا بل تستعبدهم، روح الزعامة المُطلَقَة لطوائفهم، ونزعة المنافسة والتفرّد والعناد والنكايات والأنانية والكبرياء… والباطنية. لا يعملون أي شيء معا، كفريق عمل متجانس في الحكم، لتخليص الشعب من مشاكله. من يدفع ثمن الخلاف دائما؟ الشعب، وحده. والشعب المؤلف من ثماني عشرة طائفة يتبع، دائما وعفويا، وبأكثريته الساحقة، ساسته وزعماء طوائفه، ويؤيدهم حتى ولو أخطأوا، لأنّ الطائفة هي، تاريخيا، موئل حماية لأبنائها ضدّ سائر الطوائف لا ضدّ العدو التلمودي، العنصري، المشترك، في غياب وجود دولة قوية، عادلة، وحامية لمواطنيها. وحتى في وجود دولة قوية بكل معنى الكلمة، وعادلة، بمؤسساتها وقوانينها وجيشها وقوى أمنها، سوف يظلّ الزعماء يحافظون على عرش الزعامة والسلطة في طوائفهم، كدولتهم التاريخية الخاصّة بهم، والتي لا تُمَسُّ، بزعيمها ورجالها وسلاحها.

خلافات الساسة والنتائج الكارثية على الشعب

إن الدولة (وقد سُمِّيَتْ في القرن الماضي ب”البقرة الحلوب”، وما زالت حتى اليوم تستحق هذا اللقب)، هي مجموعة حصص يتناوب الزعماء والساسة في الحكم على تقاسمها وتناتشها بنهم شديد فيما بينهم، بسبب النظام الطائفي الفاسد، بحد ذاته، والذي يطبق بروحية فاسدة. هذه حقيقة ثابتة يردّدها أبناء الشعب في لقاءاتهم وأحاديثهم اليومية، وهم يعون كل الوعي بأنهم عاجزون عن تغيير الأمر الواقع، وعن الوحدة، فيكتفون بالتحسّر والندب والرضوخ والإستسلام، ولا يجرؤون حتى أن يحلموا بأي تغيير.

إن الساسة، “خدام” الشعب وممثليه في الحكم، صارت معروفة طريقتهم في خلافاتهم وأسباب خلافاتهم. في وطن مبنيّ على الخدمات والرشوات والعمولات، تكثر فيه الصفقات المشبوهة على جميع الصعد، ويكثر فيه تبييض الأموال، وتسخير القانون والمؤسسات لخدمة اقطاب الحكم وأزلامهم، في وطن مبنيّ على التَبَعِيّة العمياء للزعيم ولما يُسمّى بدول القرار الثرية والقوية، اجل، في وطن هذه حاله، تتضارب حتما مصالح الساسة الشخصية لا مصالح الشعب “العليا” كما يُسَمّونها وكما يدّعون، وتتسبّب بخلافاتهم. إنه تنازع البقاء العنيف، والدموي احيانا، بين “الكبار” المتكبرين، تنتقل عدواه تلقائيا الى “الصغار”، أي الى الشعب. ولا نَنْسَيَنّ، هنا، أن معظم الساسة مصابون بعقدة العظمة وعبادة الذات (وهذا موضوع شيّق للدراسة من قبل علماء النفس واقتراح طرق ووسائل العلاج والشفاء)، ممّا ينسيهم مَن وَضَعَهُمْ على عروشهم في مراكز الحكم.

في جوّ هذه الخلافات والمواقف والأدوار المُفتَعَلَة فقط لإرضاء كبريائهم وخاطر أولياء أمرهم ونعمتهم في الخارج، يعتمدُ معظمهم على اسلوب التهجّم على منافسيهم في السلطة، وهم يدّعون دائما بأنهم يتعالون عن “الصغائر”، وأنهم يتصرفون من أجل “مصلحة الشعب العليا”. ثم إنهم يحوِّلون هذا الأسلوب الى مباريات مدروسة، حامية الوطيس، سخيفة، بالتهكم والسخرية والهجاء الى حدّ الشتيمة، وقسم كبير من الشعب يصبح متفرجا، مؤيدا ل”ذكاء” و”حنكة” زعمائه، مصفِّقا لهم، ومتهكّما على الزعماء الآخرين اتباعهم وساخرا منهم، وقسم قليل من الشعب يبقى محتارا، مقهورا، صامتا، امام المسرحيات السمجة لممثلي الشعب وأسياده/خدامه.

النتيجة الوحيدة، الثابتة دائما، في جميع الصراعات بين زعماء الطوائف، هي: الزعماء هم دائما وحدهم الرابحون السعداء، والشعب هو دائما وحده الخاسر التعيس، والسعيد لسعادة زعمائه.

هل من نور في نهاية النفق المظلم

كيف السبيل الى الخلاص من هذا الواقع المأساوي الدائم الذي طبع تاريخ الشعب اللبناني منذ قرون؟

من تراه يأخذ على عاتقه إحداث تغييرٍ جذريٍّ في واقع سيّء، مقرف، مستحكِم، شبه ميؤوس منه؟

من تراه يقدر على توحيد اللبنانيين، أو من تراه يجرؤ أن يحلم هذا الحلم، وقد عجِزَتْ كلُّ الصلوات والإبتهالات والمواعظ والحوارات، وعجِزَتْ كلُّ الغزوات والحروب والمجاعات والامراض والمآسي والمصائب (التي يُقالُ عنها أنها تَجْمَعُ بين القلوب وتوحِّدها) عجزا ذريعا مفجعا عن توحيدهم؟

هل من امل يُرْتَجى، يا تُرى، في هذه الظلمة الكونية والوطنية الحالكة السواد، المسكونة بالأرواح الشريرة، ونعيق البوم والغربان وعواء الذئاب وزمجرة الضباع وفحيح الأفاعي؟

دور النخب

إن الأمل الوحيد، من أجل تلافي اليأس وما يجرّه من كوارث، هو باتحاد وتلاقي النُّخَبِ المخلصة. واجب هذه النخب أن تكون هي النور في ظلمة الشعب اللبناني، وان تكون مدفوعة بروح التواضع والمحبة والأمل والرجاء الصالح، وأن تضمّ صوتها وجهودها الى صوت وجهود كل المخلصين المتألمين بصمت، من أجل تقديم الحلول الواقعية المناسبة لحالة مَرَضِية مُزمِنة، موروثة، يعاني منها الشعب اللبناني وحده، بالعودة اليه مباشرة لتوعيتهم على حقوقه وواجباته، وليستعيد ثقته بنفسه وبقدرته على التوحّد، وإحداث التغيير بالثورة على الذات العتيقة الموروثة، وتذكيره، ضمن برنامج متكامل لإعادة تكوين السلطة قد أعدّته سلفا بعناية فائقة تلك النُّخَب، بأنه مصدر كل السلطات، وأن قرار اختيار ممثليه ينبغي أن يكون قرارا حرا، متحرّرا من ضغوط المال والمذهبية وعبادة الزعيم، وتهيئته، مع الوقت، لكي يقتنع بوجوب أن ينتخب هو بنفسه رئيسا للجمهورية، عِوَضَ أن ينتخبه النواب المتفلتون من أية رقابة ومحاسبة شعبية، والذين يفسحون دائما المجال لدول القرار والهيمنة أن تتدخل وتفرض هي قرارها، كما درجت العادة منذ زمن بعيد، لقاء “مكافآت” مالية ضخمة.

وأما النظام الطائفي، فعلى النُّخَب ان تطمح في مشروعها إلى تهيئة الشعب على تقبل إلغاء هذا النظام تدريجيا وعلى مراحل، وإبداله بنظام علمانيّ، بالتعاون مع كل المخلصين، لا بالتفرد والإنعزال، والوقوع في فخ خطيئة الكبرياء، كمعظم ساسة لبنان.

إن مسؤولية هذه النخب هي أن تكون على موعد يوميّ مع الشعب لشرح مبادرتها الإنقاذية بالتفصيل، ولحثّه بإلحاح على عدم تأجيل مطالبة ممثليه بحقوقه في العيش الكريم، وعلى ممارسة واجباته، كونه المصدر الأوحد للسلطات، في حسن اختيار ممثليه قبل كل شيء، وفي مراقبة أدائهم بدقّة، وفي التجرّؤ على محاسبتهم ومعاقبتهم بعدم إنتخابهم مرة ثانية إن هم تمادوا وأمعنوا في خدمة مصالحهم الأنانية الشخصية، ونسوا وتناسوا وتجاهلوا مصالح الشعب الطيّب الذي يستصعب جدا أن يثور لأنه ما يزال غير موحّد بالكامل بعد، وما يزال محكوما، غصبا عنه، بصلات الرَّحِمِ والمذهبية، إذ إنه قد تعوّد، حتى الإدمان، أن يتفيّأ بظلال حمايتها، في وطن التعدّدية السلبية الأبدية، تعددية مزقت أوصال الوطن عوض أن تكون سببا لغناه الحضاري والروحي، ولنموه وارتقائه.

خاتمة: الخلاص مسؤولية النخب

على النُّخَبِ الجيدة أن تحاول المستحيل مع كل المخلصين والصادقين، من أجل تحويل لبنان من وطن نقمة، وتناقض، وتنافر، وقتال، بسبب تعدديته بالذات، وبسبب كبرياء زعماء الطوائف، وأنانيتهم، وعشقهم المريض للسلطة والمال والشهرة، إلى وطن نعمة ورسالة وحدة ومحبّة وسلام.

إنها مهمّة عظيمة جدا، لا يجرؤ على قبولها والخوض في غمارها إلا الشجعان الصادقون، وانقياء القلوب، والاتقياء، ومحبو السلام.