موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

النشيد الوطني اليتيم

بقلم إيلي أنطون شويري

 

إن نشيدنا الوطنيّ الحماسيّ، الجميل، البريء، وُلِدَ يتيما مع ولادة الإستقلال، وما زال يتيما حتى اليوم. إننا، بحزن شديد، نقرأ نشيدنا الوطني، ونعيد قراءته، ولا نحبّ أحيانا، لشدة الحزن، إنشاده، لا وحدنا ولا مع الآخرين، ولا نحبّ حتى سماع إنشاده، لأنّ الواقع المأساوي الذي نعيشه، كشعب لبنانيّ، هو، بكل بساطة، منذ الإستقلال الذي لم نكن أهلا له، حتى اليوم، عكسُ معاني النشيد الجميلة، السامية.

نحزن، بنوع خاص، حين نعرف بأنّ الكثيرين من أبناء الشعب اللبناني لا يعرفون النشيد كله، أو حتى بعضه، وبأنّ السياسيين أنفسهم، المفروض فيهم أن يكونوا من نخبة الشعب، وخداما له، وحماة له، ومنارات علم ومعرفة له، لا يعرفون من النشيد الوطني إلا عنوانه “كلنا للوطن”، وبعض الشذرات المجتزأة منه، يتمتمونها بشفاه مترددة، محتارة، باردة، خجولة، في المناسبات الوطنية.

مسألة جهل النشيد الوطني بكامله، من قبل قسم كبير من الشعب اللبناني، ومن قبل معظم زعماء هذا الشعب إن لم يكن جميعهم، هي مسألة تدعو الى الأسف والحزن. ربّ قائل: أين المصيبة؟ في الحقيقة، جهل النشيد الوطني هو مصيبة كبرى. لأن هذا الجهل يعكس استلشاقا معيبا بالذات الوطنية، واستخفافا بمقدَّسات الوطن بما تعنيه كلمة “مقدسات”، أي بشعبه وأرضه وتاريخه وتراثه وحضارته، وكفاحه ومعاناته وتضحياته من أجل الحرية والبقاء، ويعكس انقساما بين أبنائه، وانعدام الصدق في حبّ الوطن في نفوس كل مدّعي حب الوطن من الزعماء والسياسيين ومن أبناء الشعب على حدّ سواء.

وحدة الشعب تبدأ هنا، من نشيد وطني واحد يعكس ويجسّد تطلعات وتاريخ الشعب وكرامته. ولكن المصيبة لا تكمن هنا فقط. المصيبة تكمن في ادعاء كل مواطن بأنه هو وحده يحب وطنه (أي وطن؟) وهو يمارس عكس ذلك في تعاطيه مع شريكه الآخر في المواطنة. هل من لزوم أن نسمي الأشياء بأسمائها؟ لا أسرار في لبنان. نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أصحاب المصالح “الكبرى” و”الصغرى” على أنواعها، كيف أنهم يستعينون باليد العاملة الغريبة التي ترضى بالأجر الزهيد، وساعات عمل طويلة، وبانعدام أية ضمانات، وتحتمل الذلّ والإستعباد، ويطردون اللبنانيين من عملهم، طمعا بالتوفير والربح وزيادة ثرواتهم، ويدفعون بذلك اللبنانيين دفعا قسريا إلى البطالة والقرف واليأس، أو الى الهجرة.

وأيضا نذكر التجار “الكبار” و”الصغار” الذين يتلاعبون بالأسعار، أسعار كل شيء يحتاج اليه الناس ممّا يسمّى بضروريات الحياة، مدفوعين بروح الطمع والربح وتكديس الأموال على حساب قطع رقاب الناس ورزقهم. وهؤلاء الطمّاعون يستميتون من أجل الحصول على صداقة السياسيين في الحكم لتمرير مشاريعهم المشبوهة، الظالمة للشعب الفقير، بطريقة “قانونية”.

تكثر الأمثلة عن هؤلاء التجار كيف يتلاعبون بالأسعار بوقاحة ما بعدها وقاحة، دون خوف من أحد ودون حسيب أو رقيب من “دولة المؤسسات والقانون”، لا بل ب”غطاء سياسيّ” (كما درجت التسمية)، في معظم الأحيان. إنهم تجار المياه والكهرباء والخبز والخضار والفواكه واللحوم والألبسة والعطور والمساحيق والأدوية والصحّة والمخدِّرات والرقيق والفحش والدعارة والتعليم والدين والسياسة والسلاح. لا حبّ ولا رحمة، ولا عدل ولا احترام، في قلوب هؤلاء التجار وقلوب حلفائهم من الساسة، تجاه أبناء الوطن الواحد لبنان، ومعظمهم من الشعب الفقير، الكادح.

لا بد أن نذكر، هنا، كميات التجديف الهائلة التي تصدر عن اللبنانيين من كل الأعمار وكل “الطبقات”، كل يوم، ضدّ بعضهم البعض، وضد أشياء مبهمة مثل “البلد” و”الشعب” و”الحكومة” و”الدولة”، وهم يبيعون ويشترون، أو يجرون معاملاتهم في دوائر حكومية، أو يشاهدون ويشمون روائح النفايات في كل مكان، أو يستمعون إلى نشرات الأخبار السيئة وكذب الساسة، أو يقودون سياراتهم في زحمات السير الطويلة، الدائمة، الخانقة، وعلى كل الطرقات، وفي كل الأوقات، بقلة تأنّ، وقلة لياقة، وقلة صبر، لا بل بغضب وتحدّ وسرعة جنونية وروح تنافس أنانية شرسة. كل ذلك يجري في جوّ غلاء معيشة خانق، وجوّ انعدام الإحترام للقوانين، وغياب المسؤولين في الدولة عن معاناة الشعب، وانعدام الثقة بهم، وجوّ تهديدات أمنية مرعبة، وجوّ قلق شديد على مصير وطن ينازع وقد أمسى لعبة على أكفّ آلاف العفاريت، والعفاريت هم الساسة وحلفاؤهم من رجال الأعمال والمال والمصارف، ومراجعهم السياسية والمالية في الخارج.

أصبح حبّ الوطن، بالنسبة للكثيرين، لا يعني شيئا. أصبح حبّ الوطن “معلبا”، إذا صحّ التعبير، جامدا، بلا روح، مجرّد كلمات، في النشيد الوطني (لا في قلب من ألّفه ولحّنه)، وفي خطابات الساسة وتصريحاتهم، وفي الأغاني الفولكلورية، وفي الشعر الموزون والمقفى، وفي الشعر الزجلي. أصبح حبّ الوطن (أو ربما كان دائما هكذا؟) حبا كاذبا وهميًّا.

“كلنا للوطن”:

إنهما، بكل بساطة، كلمتان تشكلان وحدهما نشيدا كاملا يستحق التأمل والإعتبار، وقد أصبحتأ، في الممارسة اليومية للحياة، بالنسبة لمعظم الشعب والساسة، “كلنا للمال”، أو “وطني جَيْبي”، أو “الوطن لي أنا وحدي”، أو “أنا الوطن”، أو “كلنا للزعيم”، أو “كلنا للطائفة”، أو أيضا (وهذا لسان حال الساسة) “كلنا للخارج” (الخارج يعني المال والقوة والسلطة والزعامة).

وهكذا، يكون عندنا أوطان بعدد الزعماء والطوائف والأحزاب وأفراد الشعب، ويكون عندنا أناشيد خاصة لكل من هذه الأوطان. وفي النهاية، يصبح عندنا برج بابل من الباطنية والإزدواجية والكذب والخداع والنشاز والصخب والفوضى والتوحش، حيث يغنّي كل إنسان على هواه، وعلى مواله، وعلى ليلاه.

ماذا نقول عن:

“للعلى للعلم”؟

نظرة بسيطة الى واقعنا تكفي للإستنتاج بأن هذا الكلام الجميل هو مجرّد حبر ينمحي على ورق باهت أصفر. قليلون جدا من يهمّهم أمر هذا “العلى”، وأمر فهم معناه الحقيقي، وأمر تطبيقه في السلوك اليومي والتعاطي اليومي مع الشريك الآخر في الوطن. ما يطغى على علاقاتنا، في وطننا لبنان، هي المصلحة الأنانية المتوحشة ولا شيء سوى المصلحة. فضائل الصدق والأمانة والعدل والمحبة والرحمة والعطاء والتضحية، وكل المثل العليا التي ترفع الإنسان الى مصاف الألوهة، لا نجدها.

أما “العَلَم”، فعندنا أعلام لا تحصى ولا تعدّ من كل الألوان والأشكال، مما هبّ ودبّ، كما يقال، ومن كل حدب وصوب، معلّقة على الشرفات والسيارات والأشجار ومواقع التواصل، ترفرف مع النسيم ومع الريح. أعلام كثيرة سياسية ودينية، وحتى أعلام رياضية، محلية وعالمية، تعكس مجموعة “ولاءات” شعبية متنوعة، متناقضة (يتحمّس ويتقاتل الناس بسببها ومن أجلها)، تتفوّق على عَلَم وطن الأرز وتحجبه، وتنسي اللبنانيين واجب الإلتفاف حوله فقط، والولاء الوطني الواحد له. هذا، للأسف الشديد (وشرّ البلية ما يضحك)، ما عندنا.

ثم ماذا نقول عن:

“قولنا والعمل في سبيل الكمال”؟

نقول: إن القديسين وحدهم في لبنان قد حققوا ذلك. إذْ إن حالنا الأخلاقية والروحية والسياسية والإقتصادية والحضارية تزداد سوءا كل يوم، وتزداد بعدا عن الكمال، بعد الثرى عن الثريا. لا نلومنّ أحدا على ذلك التقصير والتخلف إلا ذواتنا المهمِلة، الضائعة، السكرى بأمجاد ذاتية، أنانية، باطلة، والراضية بمحدوديتها وبرضى الأغراب عليها. “قولنا والعمل” هما في سبيل لقمة العيش (وهذا أمر يفهمه كل إنسان يكافح للبقاء)، وفي سبيل تمجيد أنفسنا والآخرين، والكذب على أنفسنا وعلى الآخرين (خاصة الساسة)، داخل الوطن وخارجه، في سبيل إشباع شهوة الغرور والكبرياء والمال وروح العظمة في نفوسنا، وحسب. “قولنا والعمل” ليسا أبدا في سبيل بناء وطن ندعي حبّه ونفتخر به، إسمه لبنان، بناءًا أخلاقيا وروحيا وفكريا وإقتصاديا وحضاريا سليما. “قولنا والعمل” إنما هما من أجل إحياء دائم لتقاليد “مقدّسة” عند الساسة، كتعقيد المشاريع العمرانية الحيوية، وتقاسم حصص الحكم والمال، وعرقلة تأليف الوزارات وانتخاب رؤساء الجمهورية، والتوافق فقط على تمديد عمر المجلس والحكومات وزيادة رواتب المتنعمين بطيّبات جنات الحكم.

ماذا نقول عن:

“شيخنـا والفتـى عنـد صـوت الوطن
أسد غاب متى سـاورتنا الفــتن”؟

ما يثلج القلب قليلا، في جحيم برج بابلنا هذا، هو أنه لدينا في لبنان مؤسسة إسمها الجيش اللبناني. فهي موحدة، منضبطة، مخلصة، وفيّة، لا ترفع إلا علما واحدا، ولا تنشد إلا نشيدا واحدا. إنها تقدّم الشهداء بصمت وإباء دفاعا عن الشعب اللبناني وأرضه، وهي المؤسسة المظلومة دوما من قبل بعض السياسيين (الأموات منهم والأحياء) الذين أسروا وكبّلوا نشاطها بقرارات سياسية خارجية تمنعها من القيام بواجبها كاملا كما ينبغي، في الأزمات الوطنية المزمنة (سنة 1958 مرورا ب 1967-1975-1992 حتى اليوم)، لا بل ومنعوا عنها السلاح المتطوّر لمقاومة الأعداء، وضبط الوضع الداخلي، رغم توفّر المال بشكل أسطوري، غير مسبوق وغير خاف على أحد (خاصة هذه الأيام) في خزناتهم الخاصة في قصورهم وقلاعهم المحصنة، المحروسة، وفي حساباتهم المصرفية العلنية والسريّة، وفي خزنات حلفائهم من رجال مال واستثمار ومصارف وأعمال وتجارة، إرضاءًا لآلهة المال والسلطة والطمع في حكومات الخارج، وإرضاءا، وهنا يكمن السبب الأهم، لأنانياتهم وشهوات السلطة والمجد والعزّ والعظمة في نفوسهم، ولمصالحهم الشخصية، فقط. كلمة “وطن”، وكلمة “شعب الوطن”، وكلمة “جيش الوطن”، وكلمة “أرض الوطن”، وكلمة “نشيد الوطن”، وكلمة “مستقبل الوطن”، كلها كلمات غير موجودة في قاموس عبّاد المال، هنا، في وطننا لبنان، وأقاربهم في كل بلدان العالم.

إنّ لبنان المهدَّد دائما، عبر تاريخه القديم والحديث والحالي، بخطر الفتن وبالزوال، لم يقف شعبه كله وزعماء طوائفه، يوما، وقفة واحدة ضدّ الأعداء الكثر والمعروفين، وقفة “أسد غاب” كما يقول النشيد. نحن فقط “أسد غاب” على بعضنا البعض. والذين وقفوا وقفة “أسد غاب”، إلى جانب الجيش اللبناني، ضدّ العدوّ القابع على حدود لبنان الجنوبية (ذلك العدوّ التلمودي العنصري المتكبر والحاقد على كل الأديان والشعوب، المزروع بالقوة والمستمر بالقوة، وزارع الفتن والتعاسة والفساد وكل أنواع الشرور بين الشعوب في لبنان وفي الشرق والغرب، والذي يتلاعب حتى بالطقس لإيذائنا)، وضدّ التكفيريين الإرهابيين صنيعة هذا العدوّ وحاضنيه وحماته المعروفين في الشرق العربي والغرب، وقدّموا، “أسد الغاب” هؤلاء، شهداء من أجل كل الوطن، وما يزالون حتى الآن، حاول وما يزال يحاول بعض شركاء الوطن ممّن استملكوا الوطن كله بأرضه وعاصمته وشعبه ودولته (بتوجيه وتمويل ودعم خارجيّ غير مجهول)، وحوّلوه الى شركة أعمال واستثمارات واحتكارات، وقتلوا روح الوطن الرسالة الإنسانية الحضارية الذي أجمع اللبنانيون الصالحون الأبرياء الشرفاء على بنائه، أجل، يحاول هؤلاء بشراسة وخبث ودهاء، منعَ “أُسْد الغاب”، المقاومين الحقيقيين، من أداء واجبهم الوطني، وهم قد أمعنوا وما زالوا يمعنون في رذلهم ومحاربتهم واحتقارهم واحتقار شهدائهم وجرحاهم، وخذلهم والتهكم عليهم واعتبارهم خارجين عن القانون (أي قانون؟)، وعن سلطة الدولة (أية دولة؟)، دولة، هم أنفسهم هؤلاء المعترضون ومُدَّعو الغيرة عليها قد كسروا قوانينها وأضعفوها وأفسدوها وسرقوها وعطّلوها بكل مؤسساتها، وباعوها وباعوا أنفسهم، وباعوا شعب لبنان وأرض لبنان لآلهة وقراصنة المال ما وراء البحار، غربا، وفي صحاري الطمع والخيانة والغرور والضغينة والضياع والذل، شرقا.

ثم تأتي تكملة النشيد:

“شــرقنـا قلبـه أبــداً لبـنان
صانه ربه لمدى الأزمان
بحـره بــرّه درّة الشرقين
رِفـدُه بــرّهُ مالئ القطبيَن
إسمـه عـزّه منذ كان الجدود
مجــدُهُ أرزُهُ رمزُهُ للخلود”.

إن تكملة النشيد هذه، تجعل من لبنان، في جوّ مبالغة شعرية جميلة:

قلب الشرق ودرّة (جوهرة) الشرق الذي قسمه الشاعر إلى شرقَيْن (لعل الشاعر قصد شرق شروق الشمس كل صباح في كل الفصول، وشرق شروق وإشراقة نور شمس الحضارة والوحي الإلهي؟)،

ومحورا للكون، كون لبنان كان دائما ممرا ومقرا جاذبا لقادة الشعوب الغزاة بسبب أرضه الخلابة وشعبه المضياف والمقاوم في الوقت عينه،

ومالِئًا للكون من قطب الأرض الشمالي إلى القطب الجنوبي، بامتداد برّه وبحره حيث غامر سكان لبنان القدماء الفينيقيون بسفنهم وأبجديتهم وأرجوانهم، ثم تبعهم أجدادنا، مرغمين (في زمن الحكم العثماني الظالم وويلات الحرب العالمية الأولى)، آخذين معهم تقاليدهم وتراثهم وحبهم للوطن،

ومالئا للكون بصيت عطاءاته الخيّرة، وبإسمه القديم، الجميل، المقدّس، وبعزّ إنجازاته وانتصاراته على الغزاة، وبأرزه الخالد.

كل هذه الخصائص الفريدة، الرائعة، للبنان، المجتمعة في النشيد، تخلق منه وطنا خاصا جدا ترعاه وتصونه وتحميه العناية الإلهية.

إن شعب لبنان قد مرّ، عبر تاريخه، بمآسي فتن وحروب بين أبناء طوائفه، وعانى الكثير من التشريد والمجاعة والهجرة. ولكنّ هذا الشعب المؤمن أنتج قادة أقوياء، أتقياء، مخلصين، ونساكا وروحانيّين وعقلاء، وقديسين ورهبانا وراهبات، وكتابا ومفكرين وفلاسفة وشعراء وفنانين وحرفيّين. هؤلاء هم، لا شكّ، من قصدهم النشيد.

نستطيع أن نفتخر بهذا التراث الغنيّ. ولكننا نحزن حزنا شديدا حين نرى ما يجري اليوم في وطننا: التلوّث يسكن البحر والأنهار والينابيع والهواء والغذاء والدواء. النفايات تسكن مدن وقرى لبنان. روح فساد الأخلاق وكسر القوانين واحتقار الفضائل والقيم الروحية، وروح شهوة المال والغنى السريع الفاحش والكبرياء، تتفشى، بشكل مخيف ومقلق، في نفوس معظم الساسة وأبناء الشعب. طبيعة لبنان يشوّهها اللبنانيون، أيضا، شعبا وساسة. أرز لبنان القديم، رمز علمه وخلوده، قد قلّ جدا نتيجة الإهمال. مثالات العلم والفكر والثقافة والأخلاق والروح قد ندرت كما ندر أرز لبنان. الإنقسامات الحادة التافهة، السخيفة، بين زعماء الطوائف المغرورين، المتكبرين، القساة القلوب، حول النفوذ والسلطة والمراكز، والصفقات السياسية والتجارية، والأحجام والأوزان و”الحيثيّة”، تعكّر دائما صفوَ عيش اللبنانيين.

إن لبنان قد فقد، اليوم، بريقه وتألقه كدرّة الشرق وقلبه، كما كان يحلم بعض الأتقياء الصادقين. أرضه لم تعد أجمل أرض بجبالها وأشجارها وسهولها وهوائها وينابيعها وأنهارها وبحرها وسمائها، ولم تعد مقصدا للسائحين. إن صيته، اليوم، الذي يملأ العالم بقطبَيْه، هو صيت الفساد الأخلاقي وانفصام الشخصية.

ما يثلج القلب المحروق، المحتار، اليائس، بين الفينة والأخرى، في واقعنا التعيس هذا، هو تكرار دعوات بعض العقلاء (غير المسموع صوتهم)، من أجل بدء عملية الحوار ومتابعته بين الزعماء المتخاصمين بشكل متواصل، مزمن. لعلّ الحوار (وهو نور الأمل الوحيد في نهاية النفق المظلم) يبدأ ويكمل طريقه بنجاح ليريح كل اللبنانيين المقهورين من هموم ومآسي الإنقسام والتشرذم، وليوحِّد قلوبهم ومواقفهم ودولتهم تجاه المخاطر الداهمة المخيفة، وليُنشِدوا، كلهم معا، بدون خوف، ودون إذن ودون مشورة أوصياء الخارج، ويا ليتهم ينشدون ويصرخون ويزأرون ك”أسد الغاب”، بصوت واحد، عال، يفحم قلوب الحساد والمتطاولين وزارعي الفتن وكل الأعداء، ويلقي الرعب فيها، يا ليتهم، أجل، يُنشِدون النشيد الوطنيَّ الواحد: كلنا للوطن للعلى للعلم.

إن نشيدنا الوطني جميل جدا بكلماته وبلحنه. إنه يعكس روحانية قوية لا تعكسها سائر الأناشيد العالمية التي تكتفي فقط بالإفتخار بالقوة والأمجاد. فلنتعلّمه في البيت والمدرسة وأماكن العمل، ولنتأمّل في معانيه السامية، وكأننا في تأمل صلاة، ولنسْعَ إلى تطبيقه في حياتنا اليومية، وإلى بناء وطن حقيقيّ لا وهميّ، وطن الأسود المُوَحَّدين، الأقوياء، المستقلين، لا وطن الأرانب والثعالب والذئاب، لنا ولأبنائنا من بعدنا، في خضمّ عالم قاسٍ لا قلب له، يؤمن بالقوة والعنف والسيطرة وحسب، ويمارس ذلك يوميا، عالم لا تنام قوى الشرّ المعروفة فيه، ولا مكان فيه للضعفاء، ولا كرامة.

فلنبنِ إذا، معا، وطننا الواحد الموحّد القوي لبنان، وطن الرسالة والمحبة والسلام، وطن حضارة الروح والفكر، ولنحمِهِ، نحن، ولا أحد سوانا، ولنرفع أسواره عاليا جدا، ولنكنْ كلنا “أسد غاب” ضدّ الطامعين والمعتدين، ولنحلم، ولكن ونحن موحَّدون أقوياء، لا منقسمون ضعفاء، بأن نحوّل وطننا لبنان إلى وطن عظيم، وطن نستحقه فعلا، كما يصفه نشيدنا الرائع:

“كلُّنا للوطن للعلى للعلم
ملء عين الزّمن سـيفنا والقـلم
سهلنا والجبـل منبت للرجـال
شيخنا والفتـى عنـد صـوت الوطن
أسد غاب متى سـاورتنا الفــتن
شــرقنـا قلبـه أبــداً لبـنان
صانه ربه لمدى الأزمان
بحـره بــرّه درّة الشرقين
رِفـدُه بــرّهُ مالئ القطبيَن
إسمـه عـزّه منذ كان الجدود
مجــدُهُ أرزُهُ رمزُهُ للخلود
كلنا للوطن للعلى للعلم”.

أجل، فلنحلم، معا، بذلك اليوم الآتي، ولنسعَ، معا، من أجل إتيانه وتحقيقه. إنه يومٌ مُنْتَظَرٌ، في لبنان وفي العالم أجمع، لا نعلم متى يأتي، أو هل سيأتي بالفعل، وأين تكون بدايته (في لبنان؟)، والشرّ يزيد استفحالا كلّ يوم. إنه اليوم الذي تنبّأ عنه، قديما جدا، إشعيا النبيّ، في رؤياه، وقد نُقِشَتْ كلمات إشعيا على مدخل الأمم المتحدة في نيويورك باللغة الإنكليزية (ولكن بعد حذف أوّلها الذي يتنبّأ عن مجيء المسيح: “…ويَحكمُ بين الأمم ويقضي للشعوب الكثيرة”):

“…فيضربون سيوفَهم سِكَكا ورماحَهُم مناجلَ فلا ترفعُ أمّة على أمّة سيفا ولا يتعلّمون الحربَ فيما بعد”. (إشعيا 2 : 1-4).