موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

لغتنا العربية في خطر-كيف نحميها؟

 إيلي أنطون شويري

مصير اللغة العربية مهدّد بأخطار كثيرة في جوِّ عولمةٍ طاغٍ، لا يمكن ردّه أو إيقافه، مشحون بالصراعات الحضارية العنيفة التي لا ترحم، والتي تطال وجودنا بالذات وهويتنا، والتي لا غلبة فيها إلا للأقوى. فكيف نحمي لغتنا العربية في خضم الصراع والتنافس على الوجود، وعلى مراكز النفوذ اللغوي والحضاري والسياسي؟

السؤال المطروح هو مطروح، أولا، وبحقّ، على الذات المتسائلة القلقة، والحاملة همّ اللغة والوجود، والباحثة عن دور ينقذ اللغة والوجود من الإنحطاط، وفقدان الهيبة، والإنحلال، وهي، أي الذات القلقة، تمرّ في حالة فحص ضمير دقيق ومسؤول، ومحاسبة صادقة لذاتها.

إن مسؤولية الحفاظ على اللغة تقع، طبعا، وبالدرجة الأولى، على من نسميهم بالنخب المثقفة. لا ينبغي أن يعفي أي إنسان ينتمي إلى هذه النخب نفسه من حمل هذه المسؤولية، ولا يجوز أن يرميها على الآخرين، و/أو على قدَر مبهم، مجهول، قاسٍ. هنا تكمن البداية الصحيحة، من الذات. ماذا يستطيع كل إنسان من النخبة الواعية المسؤولة، في كل الحقول، أن يفعله من أجل حماية هذه القضية المصيرية؟

السؤال الذي نطرحه، بالتالي، على أنفسنا، حين نقرّر ان نكون فاعلين في حقل حماية اللغة، هو: هل نحن، إنْ فَعَلْنا، فعّالون؟ إلى أي مدى؟

أين نقف، يا ترى، ونحن بصدد تغيير أمر واقع صعب ومؤلم، بين أضعف الإيمان وأقواه، بين النيّة والقول من جهة، وبين الفعل من جهة أخرى؟

إن السير بعكس تيار قويّ، هادر، ليس بالأمر السهل. فنحن، في اختباراتنا اليومية، مُعَرَّضون للجرف وللغرق. السيرُ المُرْغَمُ، أو الطوعيّ، مع التيار، يعني، ببساطة، التخلّي عن الذات الإنسانية الوجودية والوطنية، أي عن الحرية والكرامة. أما خلق وتبنّي توازن دقيق دائم، قدر الإمكان، بين التأثّر تأثرا إيجابيا ببعض ما يجرفه نحونا تيار “العولمة” من أفكار ثورية واختراعات وتسهيلات تكنولوجية، وبين الحفاظ على شخصيتنا الإنسانية، فهذا أمر صعب تحقيقه. صحيح أن تحقيق هذا التوازن أمر صعب، ولكنه لا يتمّ إلا بالجهاد ضدّ أهواء النفس الأمّارة بالسوء، أولا، ثمّ ضدّ سيئات وشرور تيّار “العولمة” (حروب على الشعوب وإفساد أخلاقها بالمخدِّرات وثقافة الإباحية والموسيقى الشيطانية الصاخبة، للسيطرة عليها وإخضاعها، من أجل بناء “نظام عالمي جديد” على أنقاض وجماجم خصوصية وحضارة كل شعب). لا خيار آخر لنا، إن أردنا الحياة الكريمة المُشَرِّفَة، والحفاظ على تراثنا وحضارتنا ولغتنا، سوى خوض غمار هذا الجهاد الروحي وحتى الجهاد باليد أي بالسلاح، عند الحاجة، حاجة الدفاع عن النفس. إن الجهادَ، بكل أشكاله وأنواعه (بالفكر واللسان واليد) هو خشبة الخلاص الوحيدة لنا.

من مظاهر تحطيمنا لتراثنا ولغتنا اليوم، ما نشاهده، مثلا، في مواقع التواصل الإجتماعيّ، وفي مجال التواصل الخليويّ، حيث درج بعضهم، على كتابة العربية بالحرف اللاتيني (وكم هو صعبٌ إقناعهم بالعدول عن ذلك). لا لزوم للقول، هنا، بأنّ اللغة لم تفقد هيبتها وحسب، بل كيانها الحيويّ ووجودها بالذات، أي أنها تتعرّض، تدريجيا، نتيجة الإهمال وروح الإبتذال، للإنقراض. ودرج البعض الآخر على خلط عامية فوضوية بفصحى غير فصيحة، ومفردات من لغات أجنبية باللغة الأم. هنا، تفقد اللغة شخصيتها وهيبتها، وتتعرض للكثير من الإسفاف والتفاهة، كتابةً ونطقا ولفظًا. إنها آفة خطيرة. الى متى هذه الآفة؟ وإلى أين نحن سائرون؟ لا أحد يعلم.

أمّا ما يُسَمِّى ب”الشبكات العنكبوتية” باللغة العربية، ففيها الغثّ والسّمين من المواضيع والأبحاث. الهشّ كثيرٌ، وهو يتفوّق على الرصين القليل، الثابت، المتطوّر. إن المواقع الجيدة التي صادفناها في مجال البحث قليلة، وفقيرة المحتوى، وغير متجدِّدة بشكل متواصل يغنيها، وهي أحيانا غير سهلة المنال، وأحيانا أخرى تختفي فجأة، ودون سابق إنذار. طبعا، هذه إنطباعات الغاية منها لفت النظر إلى واقع الشبكات العنكبوتية بإختصار شديد، وغير مكتمل. يحتاج الموضوع، لا شكّ، إلى متابعة تطوّر تلك الشبكات من خلال دراسة مُفَصَّلَة،عميقة، موثّقة.

ماذا أيضا عن لغة بعض الإعلاميين والساسة والمثقفين وحَمَلَة الشهادات العليا والمنتمين إلى “الطبقة الغنية” بالإجمال، التي تصدمنا كل يوم؟

لهم لغتهم الخاصة بهم، المبنيّة على قوالب تعبيرية جامدة، توحي بالبلاغة وهي ليست ببليغة، وجاهزة للإستعمال والإستهلاك السريع. ولْنُضِفْ الى ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، لهجاتهم ولكناتهم الأجنبية المُصْطَنَعَة، المائعة، وخلطهم المنصوب بالمرفوع والمجرور والساكن، بكل حرية وثقة. ثمّة قسم من الشعب يسمعهم، ويتعلّم اللغة العربية منهم، ويردّد، بإعجاب وتقدير، المفردات والتعابير الرتيبة والهجينة عينها، من بعدهم.

يستطيع الإنسان الباحث، هنا، أن يستفيض في عرض الكلام الدخيل الهجين على اللغة العربية، بسهولة فائقة. ولكن ذلك يفوق نطاق هذا المقال. ما نلاحظه هو أن لا أحد، اليوم، يحمي اللغة من هذا الغزو، ولا أحد يحاول، من أصحاب الإختصاص والثقافة، إحياء المفردات والتعابير الأصيلة، واكتشاف غنى اللغة، وقدرتها على استيعاب اللغات الأخرى، خاصة في التعابير العلمية، وتعميم كل ذلك على الجميع. إن التقليد الأعمى والطوعيّ ل”حضارة” الغزو العالميّ، او “العولميّ” اذا صحّ التعبير، بكل أوحالها وأصفادها، والإقتباس النّهِم السريع لمفرداتها وتقاليدها، والشعور بالدونيّة الدائمة تجاه مدّها القويّ، الجارف، الآتي من الغرب… كلّ ذلك الواقع السقيم، من يداويه، يا تُرى، ويوقف تفاقمَه المريع؟

إنها مسؤولية النخبة الواعية، لا شكّ، النخبة المؤمنة بالله، الصّادقة مع نفسها ومع الآخرين، الوفيّة لتراثها الروحي والأدبي، وللغتها وحضارتها وشعبها وأرضها.

هذه النخبة هي المؤهَّلَة لتأخذ على عاتقها تجديد أساليب تعليم اللغة العربية وممارستها كما ينبغي في حقل المدارس والجامعات والإعلام، وحمايتها من سطوة اللغات والمفردات والحروف الدخيلة واللهجات المائعة، وتأمين التفاعل المفيد، الخلاق، مع سائر اللغات، من خلال إتقان اللغات والترجمات من وإلى العربية، وتثقيف عقول الناس، وتصحيح أغلاطهم كل يوم، ومتابعة هذا المجهود الجبّار، دون ملل أو تعب. ومسؤولية النخبة الكبرى، تكمن، أيضا، وقبل كل شيء، في إحياء تراثنا الأدبي واللغوي والفلسفي القديم والحديث، بكل تنوعه وغناه، وتعريف الأجيال الطالعة عليه، بعمق ورصانة.

اللغة هي الإنسان. الإنسان هو بيتها، تسكنه وتحييه وترقّيه، بقدر ما يسكنها هو نفسه، ويحييها، ويرقّيها. حين يلقى الإنسان تربية أخلاقية وفكرية ولغوية جيدة، تكون اللغة محميّة ومنيعة ضدّ كل الغزوات الشرسة أو “الناعمة” وكل الأمراض “الحضارية” الفتّاكة.

ولكن، مهما كبر فريق النخبة للعمل الدائم من اجل الخوض في هذه المهمة الشاقة، ومهما كانت معرفته باللغة والثقافة عميقة، وهمّته عالية وغيرته نارية، فهو يحتاج الى تمويل ضخم لسنين كثيرة. من اين يأتي المال؟ من المتموِّلين الكبار والقادة الأغنياء، اذا اقتنع هؤلاء بقدسيّة الرسالة وضرورتها الملحّة، ووافقوا على مدّ يد العون. وهذا شيء مشكوك بأمره كثيرا مع أناس لا يفكرون إلا بالربح المادي والشهرة والمجد والعظمة والقوة.

ها نحن نجد أنفسنا، من جديد، في قبضة من نحاول التحرّر منهم: الرأسماليون الجشعون والأنانيون، والساسة المتكبرون الذين نتهمهم بالجهل والكذب والفساد والخيانة وقمع الفكر الحرّ.

إذًا، ها نحن نعود الى ما يُسَمَّى ب”نقطة الصفر”، ندور على أنفسنا في زنزانة الفكر الحزين، المستوحش، ونعيدُ طرحَ الأسئلة عينِها على أنفسنا دون أن نلقى جوابا، ونحن نتأمّل في فضاء الحرية والفرح الفسيح، من خلال نافذة الأمل والحلم، بانتظار حدوث معجزة ما، تكون من صنع أيدينا وعقولنا:

هل نحن فاعلون؟ هل نحن فعّالون؟ هل من يستجيب لاستغاثة اللغة والحضارة المحتضرة؟ هل من خلاص؟

أجل، ثمّة خلاص، ونحن، نكرّر، من يصنع المعجزة.