موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

مفاهيم الخيانة السياسية وتطبيقاتها في لبنان

إيلي أنطون شويري
مقدّمة: الخيانة والوفاء

الخيانة كلمة صغيرة تحمل في طياتها معانيَ كثيرة غير جميلة. خيانة الذات والآخرين هي الإبتعاد عن روح الخير والصدق والإخلاص والوفاء والأمانة والتنكّر لها. هذا الإبتعاد لا يمكنه إلّا أن يكون موحى به من روح الشرّ، وهو يحمل معاني الخبث والدهاء والغدر والأذى، ويشكِّل صدمة قاسية، ويسبِّب خيبة أمل مريرة، وإحباطا وحزنا شديدَيْن في نفوس ضحايا الخيانة.

يمكننا أن ندل على الخائن أو الوفيّ من خلال مراقبة سلوكهما. ولكننا لا ندري أبدا ما الذي يعتمل في داخل نفس الإنسان حتى يسلك هذا السلوك. نحن نعتبر أن الخيانة شرّ، وأن الوفاء خير. ونعتقد أن صراع الشر والخير في نفس الإنسان يبقى صراعا خفيا، سرّيا. نحن نحاول أن نحلّل ونكتشف ونفهم الأسباب المحتملة فقط، ونحكم على الظاهر الآتي من الباطن، من خلال سلوك الخائن أو الوفيّ.

رأي الشعب في موضوع الخيانة

حين تتحدّث مع بعض الناس عن موضوع الخيانة بوجه عام، يبدأون بسرد سريع لأخبار وقصص عن الخيانة في العلاقات الإنسانية، خاصة بين الأهل وأبنائهم، وبين الأقارب، وبين الأصدقاء، وبين الأزواج. ثم ينهون الموضوع بأننا نعيش أياما سيئة جدا، هي “آخر الأيام”. أما الخيانة السياسية، خاصة في لبنان، فمعظم اللبنانيين لا تخطر ببالهم. وكأنهم لا يستطيعون، أو ربما لا يريدون أن يروها في سلوك زعماء طوائفهم الذين يحبونهم وينزهونهم عن أي خطأ أو عيب، من خلال علاقاتهم السياسية مع سائر الزعماء في الداخل، ومن خلال تفرّعات وتشعبات هذه العلاقات مع حكومات الخارج.

الخيانة السياسية

الخيانة السياسية، بحدّ ذاتها، هي الإنقلاب على مبادىء أو قضية أو حزب أو أشخاص أو وطن من أجل المصلحة الأنانية الشخصية للخائن، ولو تسبّب هذا الإنقلاب بأذى لضحايا الخيانة. خيانة الصداقة والزواج أصبحت شيئا مقبولا في لبنان لكثرة حدوثها، كما في بلاد الغرب. ولكنها ما زالت تُسَمَّى، على الأقل، “خيانة”. أما في عالم السياسة عندنا، المليء بالتقلبات في المبادىء والمواقف عند معظم الساسة، فكلمة “خيانة” لا تُذكَرُ أبدا، لا على شفاه معظم الناس ولا على شفاه الإعلاميين، ولا على شفاه السياسيين. هي كلمة ليست في قاموس أحد، مع أنّ ممارستها مزدهرة. إنها قد أصبحت، بكل بساطة، “وجهة نظر”، لا نقاش حولها.

مظاهر خيانة الساسة للشعب
رجال السياسة اللبنانيون السعداء دائما، يتصرّفون بحرية تامة، وبكل راحة ضمير، ويفعلون ما يشاؤون، دون أي خوف من الشعب أو نُخَبِهِ، ودون الرجوع إليه لاستشارته (إستشارة الشعب أمر معيب بحقّ السياسيين المتكبرين)، أو على الأقل، مخاطبته ومحاورته، لوضعه، بحسب التعبير الغامض المألوف، "في الأجواء"، من خلال نُخَبِهِ على الأقل.

يصعب على السياسيين الرجوع إلى الشعب بعد أن يحصلوا على تأييده في الإنتخابات النيابية. يصبح وقتهم ضيقا جدا لذلك. ويصبحون في وضع جديد من العظمة والراتب الضخم و"المخصصات" السخية التي تذهب لجيوبهم لا لإنعاش مناطقهم، والحصانة التي تجعلهم في مصافّ الآلهة، والإحتكاك بسياسيّي العالم وعظمائه، والمساهمة ب"صنع" التاريخ، أجل في سكرة هذا الوضع الجديد، لا يعودون بحاجة إلى رؤية من انتخبهم، بعد أن زحفوا زحفا غريبا، وتواضعوا تواضعا عجيبا، ولكن مؤقتا، وقبَّلوا آلاف الخدود والأيدي، لاستعطاء رضى الناس وتأييدهم فردا فردا.

هذا أول فعل خيانة لا عذر مقبول له، يرتكبه السياسيون المتكبرون: خيانة الشعب الذي انتخبهم. تجاهل الشعب وتناسيه، والتقليل من أهميته وقيمته، واحتقار وجوده ورأيه، والإبتعاد عنه، خيانة لهذا الشعب. لا وجود لإسم آخر لوصف هذه الحالة.

الخيانة الثانية هي حين يَعِدُ أهلُ السياسة الشعبَ، خلال حملاتهم الإنتخابية، بتحويل حياته إلى جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وكل ما يفعلونه، حين يوصلهم الشعب إلى الندوة النيابية، هو تحويل حياة الشعب إلى جحيم تجري من تحتها ومن فوقها أنهارٌ من جمر ونار.

لا لزوم ربما، هنا، لبراهين كثيرة تُثبِتُ ما يفعله الساسة في لبنان بالشعب اللبناني، لا من أجله. هم فطاحل في استعمال الكلام الجميل والمنمّق والمعسول، بثقة عالية بالنفس، خاصة أمام عدسات الإعلاميين، حين يفسرون ويحللون ويصفون ويبررون الأوضاع الأمنية والإقتصادية السيئة، ويعطون الحلول لكل المشاكل، ويصفون الدواء لكل داء، ويرددون، بكثرة، تعبير “من أجل المصلحة الوطنية العليا”.

وماذا يرى الشعب في الواقع قبل وخلال وبعد الإستماع إلى كلام السياسيين؟ الشعب يسمع جعجعة جميلة جدا، متواصلة، يطرب ويسكر لها، ولكنه لا يرى ولا يلمس ولا يشمّ ولا يذوق طحينا.

مظاهر خيانة حلفاء الساسة الأغنياء للشعب

ثمة خيانة أخرى إضافية، للشعب اللبناني، من بعض حلفاء الساسة، الأغنياء. الشعب، بمعظمه، يعاني، في الخفية والصمت، من الفقر والقرف والقهر، ولا تغرّنّنا كثرة مظاهر البذخ والبطر والسيارات والهواتف الذكية. إزاء ذلك الوضع المأساويّ، ترى الأغنياء (مقيمين ومغتربين ومستشرقين ومستعربين) يتكاثرون في لبنان بشكل غريب، مريب. وتراهم، بأغلبيتهم الساحقة، منهمكين ببناء القصور وشراء الأراضي وإحياء الحفلات للطبقة الغنية والحاكمة، لا للشعب الفقير، والتقرّب من بعض أقطاب السياسة والدين، لا من الشعب الفقير، وإغداق الأموال الطائلة عليهم بحجة دعمهم ماليا، وهم في الحقيقة يطمحون إلى دخول عالم السياسة من هذا الباب الواسع، السهل. ماذا يفعل هؤلاء لمساعدة الفقراء؟ لا شيء. لا يبنون للفقراء مستشفيات ومستوصفات ومدارس ودور أيتام وعجزة، مجانية. إنهم، من أجل بناء عظمتهم الشخصية فقط، يفضلون أن يمطروا بوابل “تبرعاتهم” السخية على رجال الدين خاصة من الطائفة عينها، ليحصلوا على تأييدهم و”بركتهم” على الأرض وفي السماء، ويفضلون أن يساهموا، بسخاء، بتحسين الحالة المادية للأقطاب السياسيين الطائفيين الذين يقبلونهم في صفوفهم بكل طيبة خاطر وفرح، رغم عدم خبرتهم في مجال السياسة، ويمنحونهم مراكز عالية في حركتهم السياسية، أو في الندوة النيابية، أو في مجلس الوزراء، على حساب النُّخَب الفكرية والروحية والأخلاقية الصالحة، الآتية من رحم الشعب الكادح المعذب.

إن تصرّف الأغنياء هذا، وتصرّف زعماء السياسة، هل له إسم أخر غير “الخيانة”، خيانة أنفسهم وخيانة الشعب؟

ويظلّ الشعب يعاني من الفقر والقهر. السياسيون لا يفعلون أي شيء لخلق فرص عمل مثلا. ولضبط أو منع منافسة اليد العاملة الغريبة، الرخيصة، للبنانيين في ورش البناء والمعامل والزراعة، وفي الأفران والمطاعم والفنادق والمستشفيات والسوبرماركت، ومحطات الوقود، وغيرها. ولا يفعلون أي شيء لضبط غلاء المعيشة ناسبين الغلاء إلى الوضع العالمي، وهم قادرون على ذلك بعكس ما يدّعون، إذا تنازلوا وتكلموا مع أصدقائهم التجار الأغنياء، وأقنعوهم (أو حتى أجبروهم) بوجوب التخفيف من أرباحهم الخيالية، وإذا ترفّعوا وتساموا ورفضوا ما يقدمه لهم هؤلاء الأغنياء من رشاوى لإسكاتهم، تحت غطاء “هدايا” و”عطايا” و”مساعدات” و”مِنَح” تقدير واحترام ومحبة.

الخيانة المزمنة المتجدِّدة

ويظلّ الشعب يعاني من الفقر والقهر. إنه يعاني منذ الإستقلال حتى اللحظة الحاضرة. إن تراكم المعاناة على كاهل الشعب قد بدأه سياسيون قدامى رحلوا إلى دنيا الحق، وأورثوا أبناءهم وأحفادهم “مهمة” تعذيب الشعب واضطهاده أبا عن جَدّ، كما ورث الشعب، أبا عن جَدّ، ذهنية السكوت وغضّ النظر عن كل ما يرتكبه الزعماء من أخطاء وأغلاط وخيانات، وعدم التفكير بالإنتفاضة وتغيير الواقع المريض المُذِلَ. كم عانى (وما زال يعاني) الشعب اللبناني في السنوات الأخيرة، نتيجة هذا التراكم في ذهنية الحكم والسياسة المتوارثة في لبنان، من مشكلة البطالة وغلاء المعيشة والأجور المتدنية والنفايات والمياه والكهرباء، وتشويه الطبيعة، وتلوث الغذاء والهواء والمياه، والإرهاب، وأعمال السرقة والجريمة وحوادث السير، والإنترنت غير الشرعي، وعدم تسليح الجيش، وسرقة خزينة الدولة على يد بعض المسؤولين المعروفين. إن المسؤولين عن مآسي الشعب اللبناني مرتاحون جدا من محاسبة الشعب والقضاء لهم. هل يصحون من غيبوبة كبريائهم وأنانيتهم قبل فوات الأوان، وقبل أن ينتقلوا، فجأة، ودون سابق إنذار، إلى لقاء من سبقهم (من “عظماء” لبنان والعالم الذين خانوا شعوبهم) إلى العالم الآخر؟ هل يفلتون، هناك، من مواجهة المحكمة الإلهية العادلة (والرحيمة)، كما أفلتوا من العدالة البشرية، هنا؟

إن الشعب اللبناني يعاني، إلى جانب الفقر والقهر، من أمراض كثيرة، ويستهلك أدوية بكثرة، ربما أكثر من أي بلد آخر في العالم، لأوجاع الرأس والقلب والرئة والبطن والحلق والمعدة والأمعاء، ولتهدئة الأعصاب والقلق، وللنوم، ولتخفيف ضغط الدمّ، إلخ… وكل هذه الأمراض سببها الرئيسيّ هو إهمال واحتقار الساسة لصحّة وأمان وكرامة وسعادة الشعب اللبناني. الساسة يخلقون كل هذه المشاكل والهموم للشعب، وهم وحدهم مع عيالهم، مرتاحون من حياة القهر، هم وحدهم أغنياء، أصحاء، سعداء، مديدو الأيام. هم وحدهم يملكون القدرة على شراء وتأمين كل شيء يحتاجون أو لا يحتاجون إليه، وعلى الهرب بسرعة إلى خارج الوطن والنجاة بجلدهم في حالات الأزمات والضيق، ثم العودة إلى الوطن حين تهدأ الأحوال، لمعاودة حياة الكذب والدجل والخداع والكبرياء وانعدام الإحساس والضمير، وخيانة الشعب.

ماذا نسمّي هذا السلوك للسياسيّين تجاه الشعب اللبنانيّ، سلوك الإهمال والإحتقار والتجاهل والكبرياء، سلوك لا يعترفون به أبدا، ولا يخطر حتى على بالهم ان يعترفوا به، لفرط غرورهم، ولأنهم لا يلاقون أي انتقاد أو محاسبة من قبل الشعب؟ نسمّيه، بكل بساطة، خيانة، ولا شيء آخر سوى خيانة. ورفض الشعب لمحاسبة زعمائه هو، بحدّ ذاته، مساهمة منه لخيانة نفسه وخيانة زعمائه له.

الخيانة العظمى

وثمة خيانة مرتبطة بكل الخيانات الأخرى على أنواعها، لا بل هي “أم” الخيانات، وتُدعى ب”الخيانة العظمى”. إنها خيانة الوطن، أي الشعب اللبنانيّ. خيانة الوطن تعني التآمر على شعب الوطن مع دولة أخرى، من أجل إضعافه والسيطرة على إرادته الشعبية، من خلال ممثليه في الحكم. بعض أهل الحكم في لبنان يتعاملون مع حكومات دول غنية مستقوية بمالها وسلاحها وجيوشها، تسعى للسيطرة على سائر الدول والشعوب، بقوة المال والكذب والخداع حينا، وبقوة السلاح حينا آخر. ماذا يفعل بعض أهل الحكم لقاء الحصول على المال والجاه والعظمة والقوة والمراكز من الحكومات هذه؟ يفعلون أيّ شيء لإرضاء الخارج وتنفيذ سياساته، حتى ولو كانت ضدّ مصلحة الشعب. وهم يجيدون اختلاق الذرائع لفعلتهم وتبرئة أنفسهم من أية تهمة لهم أو ملامة عليهم، ورمي التهمة والملامة على الفريق الآخر في الوطن. هذه سياسة تعوّد عليها الشعب اللبنانيّ، وصارت لا تعني له شيئا مهمّا مع الوقت، منذ البدء بممارستها بعد اتفاق الطائف. قَبِلَ الشعب بالأمر الواقع، وحَيّد نفسه عن الصراع بين أهل السياسة، وترك لهم وللإعلاميين أمر النقاش والحوار ومشقة الخلاف. مسألة الولاء المطلق لحكومات الخارج لا يرى فيها الشعب أو معظمه “عيبا”، ولا يسميها خيانة. معظم الإعلاميين هذه هي نظرتهم أيضا، وهذا هو موقفهم. إنها سياسة ذكية ينتهجها الزعيم “الداهية” لخير الطائفة فقط. وبمأنّ معظم زعماء الطوائف يفعلون ذلك، تهون المشكلة ويصبح ال”عيب” مقبولا وعاديا، لا بل واجبا مقدسا وعلامة قوة وبعد نظر.

نعيد طرح السؤال عينه: ماذا يفعل بعض أهل الحكم مع حكومات الخارج، ونسميه، نحن أبناء الشعب الواعين الصادقين الأحرار، خيانة؟

-يعطلون إنتخاب رئيس للجمهوية له تمثيل شعبيّ قويّ، ويضعون شروطا تعجيزية، ويطالبون بانتخاب رئيس موظف، أو عسكريّ، أو سياسيّ تختاره طائفة أخرى مرتبطة بالخارج لا طائفته هو أو الشعب. بالمختصر، مطلوب رئيس يعيّنه الخارج ليكون طوع أمره.

-يعطّلون تأليف حكومة ويفتعلون خلافا حول حقوق العدد والحجم والوزن والحيثية (نتيجة انتخابات جرت بقانون “نسبيّ”، سيّء جدا بمضمونه الطائفي، المذهبي، الإحتكاري لأصوات الناخبين من خلال إجبارهم على اختيار كل أسماء اللائحة الواحدة)، وقيمة ومعنى كل حقيبة وزارية (سيادية أو خدماتية)، وكل همهم إرضاء كبريائهم وإرضاء بعض أسيادهم في الخارج. ثمة فريق واحد لا يهمهم إرضاءه، وهو الشعب اللبناني.

-يعطلون مشروع بناء سدود لحفظ المياه وتوليد الطاقة الكهربائية، ومشروع استخراج النفط والغاز من البحر.

-يعطلون تسليح الجيش ويدعون عكس ذلك، وفي الوقت عينه يرفضون وجود المقاومة لمجابهة العدوّ الإسرائيلي في غياب معيب للدولة هم سببه، وفي غياب تام لخطة دفاعية هم سببه، وفي وجود جيش غير مسلح تسليحا قويا كاملا لأخذ مبادرة الدفاع وحده عن شعب لبنان وأرضه، وهم سبب ذلك.

-يعطلون أي مشروع إنمائيّ أو أمنيّ أو إقتصاديّ أو عسكري يفيد الشعب اللبنانيّ، لاختلافهم على تقاسم حصص المغانم والعمولات قبل كل شيء. يتبع ذلك حرصهم الشديد على الحفاظ الدائم على مراكز وسلطة وقوة اكتسبوها لأنفسهم ولطائفتهم ومذهبهم فقط، نتيجة ولائهم التام لحكومات الخارج، ونجاحهم الباهر في إرضاء هذه الحكومات التي تكافئهم بسخاء قلّ نظيره على هذا الولاء، والتي من أولوياتها الأساسية حماية ودعم الدولة العنصرية العدوة إسرائيل، وإبقائها على قيد الحياة كأقوى دولة في المنطقة.

إذًا، هذا غيض من فيضِ ممّا يفعله بعض السياسيين (بمساعدة أجواق إعلاميّيم)، دون حياء أو خجل أو وجل. لا أحد يسمّي هذه الأفعال خيانة. إن هذا “التقليد” العريق في مغازلة دول الخارج وفي عرض الخدمات عليها، أي بيع الوطن أرضا وشعبا، مقابل المال، ومقابل دعم هذه الدول لبائعي وطنهم في تنافسهم السخيف التافه في الداخل مع بعض أو كل العائلات الروحية التي يتكوَّن منها الوطن اللبنانيّ. إن ما يفعله هؤلاء الخونة غير موجود بهذه الكثرة وبهذا الشكل المتوارث والمتواصل في أية دولة في العالم، إلا في لبنان. في دول الخارج، خيانة الوطن هي الخيانة العظمى، وعقابها هو الإعدام. لا مزاح في موضوع كهذا. في لبنان، لا وجود لشيء إسمه خيانة، ولا لشيء إسمه إعدام، ولا من يحزنون. لو افترضنا أنه في لبنان سيُطَبَّق قانون الإعدام هذا، كم يكون يا تُرى عدد السياسيين الأحياء، الناجين منه؟

نحن نحزن لهذا الواقع المؤلم في وطن مُعَدّ ليلعب دورا إنسانيا عظيما في العالم، ونسأل أنفسنا عن أسباب هذا الواقع وعن إمكانية معالجته بطريقة ما لإراحة الشعب اللبناني من ثقله وعاره.

في الحقيقة، لسنا ندّعي أو نَعِدُ أنفسنا، هنا، أو نَعِدُ القارىء بأننا نملك جوابا كافيا شافيا لهذه الظاهرة الغريبة التي يورثها الآباءُ الأبناءَ بشكل طبيعيّ لا حرج فيه. طبعا، بوجود طوائف كثيرة في لبنان لا ثقة كاملة دائمة فيما بينها، اختلفت وتناحرت عدة مرات عبر تاريخها لإثبات وجودها وتأمين استمراريتها وبقائها، وأتت دول الخارج الغازية والمحتلة لتزرع الفتن والشقاق في تربة خصبة لها، لا بدّ، ربما، أن يشعر أبناء كل طائفة بقلة الأمان، فيلتجىء زعماؤها إلى الخارج طلبا للحماية من خطر الداخل. لذلك ومنذ مئات السنين، ودول الخارج تتقاسم الطوائف اللبنانية وتمنع وحدتها، حتى بعد الإستقلال وقيام دولة إسمها لبنان. ثم إن للمال إغراء لا يُقاوَم. الزعماء اللبنانيون يعشقون القوة والمجد والجاه والعظمة وبناء القصور والقلاع، والجيوش الصغيرة المُمَوَّلَة والمسلحة من الخارج لمحاربة بعضهم البعض. لذلك هم يعرفون جيدا كيف لا يرفضون تسلّم المال من الخارج بذكاء وكبرياء وعنفوان، كحلفاء ضروريين له لا كعبيد. والذي جعل الزعماء اللبنانيين يثابرون في عملهم هذا بنجاح باهر، ويُعرِّفون أبناءهم على حكومات الخارج ليكملوا التقليد من بعدهم، هو عدم مساءلة أحد لهم من أتباعهم حول هذا التصرّف. الأتباع يؤيدون الزعيم في كل ما يقدم عليه. مهما خانهم الزعيم فهو في نظرهم يبقى زعيمهم الأوحد، المفضل. وهم إذا انتقدوه مرة واحدة، في الخفية، يشعرون وكأنهم ارتكبوا جريمة الخيانة. الشعور بالإنتماء الطائفي في لبنان شعور قويّ جدا، لا بل هو أقوى من شعور الإنتماء إلى وطن واحد جامع للكل إسمه لبنان. الشعور بانتماء وطنيّ قوميّ، يملكه فقط بعض المتحررين القلائل من قيود الدين والمذهب وصلات الرحم. إنه من الضروري الإعتراف بهذا الواقع المُحزِن الغريب، كخطوة أولى على طريق معالجته حين تحين الفرصة المناسبة في الآتي من الأيام.

هل لداء الخيانة المزمنة من علاج

ها نحن، في نهاية المطاف، نطرح، بإلحاح واهتمام شديدَين، وبغيرة مُحِبّة على وطننا لبنان، السؤال الآتي:

هل من سبيل للتخلص من هذه العادة السيئة التي أضرّت كثيرا ودائما بكل الشعب اللبنانيّ، وسببت له المأسي على مرّ تاريخه، ولم يستفِدْ منها إلا زعماء الطوائف؟

إن رسم “خارطة طريق” للخلاص من هذه الآفة الشريرة أمر سهل. الأمر غير السهل إنما هو تطبيقها.

من تُراه يجرؤ اليوم على إقناع زعماء الطوائف بالتوقّف، رحمة بالشعب اللبنانيّ وإنقاذا له ولرسالته، عن الإلتجاء إلى حكومات الخارج للإستقواء بها على الداخل، وهم قد أصبحوا من المدمنين على ذلك؟

من تُراه يجرؤ على القول لهم بأن ما يفعلونه هو خيانة عظمى للوطن الذي يدّعون محبته ويفتخرون بالإنتماء إليه؟

من تُراه يجرؤ اليوم على إقناع أتباع زعماء الطوائف بمحاولة إقناع أنفسهم أولا، ثم زعمائهم ثانية، بعدم جدوى التواصل والتآمر مع حكومات الخارج ضدّ شركاء الوطن الواحد لبنان، وبالضرر اللاحق بالوطن اللبنانيّ جراء ذلك، وبضرورة وقفه باعتباره خيانة للوطن؟

من تُراه يجرؤ اليوم على محاولة إقناع حكومات الخارج بالكفّ عن التدخل في شؤون اللبنانيين، وبالتوقف عن استقبال وتوظيف زعماء الطوائف من طالبي القوة والمال والعظمة والدعم، في خدمة مصالحها، وبتفهّم وضع لبنان كوطن صغير لا أطماع توسعية عند أبنائه، وطن لا ينبغي أن يشكّل خطرا على أحد، وبالسماح لهذا الوطن بأن يلعب دوره ورسالته كوطن محبّة وتآلف وتسامح ووِفاق وسلام، يجمع كل عائلاته الروحية تحت ظلال أرزته الخضراء وسمائه الزرقاء؟

وهل ننسى أغنياء لبنان المتكاثرين بشكل عجيب؟ كيف نقنع هؤلاء وقد أعمى المال بصرهم، بأن يساعدوا الشعب والحكم والجيش على الوقوف على أرجلهم؟ كيف نقنعهم بأنهم يخونون الوطن بقساوة قلوبهم وأنانيتهم وإدمانهم مثل السياسيين على حب العظمة والشهرة؟

لا أحد يجرؤ على فعل ذلك. لا أحد يملك الإقتناع الكامل بأن عملية الإقناع والتوعية سوف تأتي بثمار جيّدة. لا أحد يملك الهمّة القوية للبدء بهذه العملية، والصبر الجميل الكافي لمتابعة سعيه حتى النهاية. حتى لو وافقت كل حكومات الخارج على وقف تدخلها في شؤون لبنان (وهذا شيء مستحيل لمن اتخذ قرارا نهائيا لا رجوع عنه بغزو العالم)، فإنه من الصعب جدا على أهل السياسة وزعماء الطوائف الذين أدمنوا على التذاكي والتحايل والرقص على الحبال، وعلى زيارة السفارات وعواصم المؤامرات والقرار والمال والقوة، وأدمنوا على التلذذ بشمّ رائحة المال ولمسه وتقبيله وضمّه إلى صدورهم، وبنوا إمبراطوريتهم على كل ذلك، أن يقتنعوا بالكفّ عن استجداء الخارج، وبالكفّ عن التفتيش الدائم عن سوق عمل جديد لهم للبيع والشراء، والتباهي بقدراتهم النفسية والفكرية والتجارية والتفاوضية لتجميع الثروة وتمويل عروش غرورهم وكبريائهم وأنانيتهم، والتفوّق على سائر زعماء الطوائف.

إن العلاقة بين زعماء الطوائف الأبديّين وأتباعهم المخلصين لهم حتى الموت وما بعد الموت، لن تتحرر بسرعة، أو في وقت قريب، من سلاسل جهل الحقّ ومن سلاسل العبودية، وستبقى علاقة مريضة إلى أمد بعيد. والعلاقة بين الزعماء اللبنانيين لن تُشفى، بين ليلة وضحاها، من مرض الكبرياء، والغرور، والتنافس لا في مجال خدمة الشعب وإسعاده، بل في مجال التذاكي السخيف والتباهي الغبيّ بسلطتهم وجاهِهِم ومالهم وأملاكهم وعدد رجالهم الأشاوس المسلحين المقاتلين.

دواء التربية والوعي ومسؤولية النخب

ما العمل، إذا؟

قليلون جدا هم الذين يعرفون، بطبعهم وفطرتهم، معنى الحقّ، ويحبّونه ويتصرّفون بموجبه ليصيرو أحرارا، أكانوا زعماء أم أتباعا. وقليلون جدا أيضا هم الذين يتعلمون جيدا معنى الحقّ ويعملون بوحيه.

ثمة أمر نجهله في تنوع وتناقض أطباع الناس، قبل التربية وما يُسَمّى التَطَبُّع، نقول عنه أنه يأتي بالولادة أو بالوراثة، ولا يَدَ للإنسان ولا فضل له في تكوين طبعه أو طبع من يولد منه. هذا يعني أن عملية تربية أي إنسان، عملية صعبة جدا، حتى تربية الأطفال الذين يملكون طواعية في تقبل التعليم دون مقاومة ورفض، كما يفعل الكبار بحكم تكوين ونموّ شخصيتهم وأنانيتهم وكبريائهم واستقلاليتهم. لذلك، علينا بأخذ هذا الواقع بعين الإعتبار كي نتجنب التوهّم بأننا سنحقق المعجزات بسرعة، حين نقرر تربية وتعليم وتوعية الناس، ليصبحوا مواطنين صالحين.

المسؤولية الكبرى في مجال التوعية تقع، بالدرجة الأولى، على عاتق كل النُّخب التربوية والفكرية والروحية والإعلامية في الوطن.

ولكن، هل تقوم النخب هذه بواجبها في مجال توعية المواطنين من كل الأعمار، خاصة الشباب، من خلال محاضرات دائمة في المدارس والجامعات والنوادي الثقافية، ومن خلال كل وسائل الإعلام؟

هل تفعل النخب ذلك بحماس وصبر وفرح ومحبة؟ هل تجرؤ النُّخَب على تعليم الناس على معنى الديمقراطية الحقيقية، وكيفية ممارستها على أصولها في حق الإنتخاب الواعي الحرّ، مثلا، وفي حرية التعبير عن الرأي دون خوف من أحد ودون مداراة خواطر أحد، خاصة الزعماء، وفي حقّ المعارضة والإنتقاد والتظاهر، من أجل المطالبة بما يُسَمّى “حقوق الإنسان” كحقّ العمل والتعلّم والطبابة والعيش بكرامة وحرية؟

هل تجرؤ أن تقول للناس وللزعماء أن حبّ الوطن والإخلاص له يتناقضان مع الولاء للخارج الذي هو الخيانة بعينها للوطن ولا شيء سوى الخيانة؟

هل تجرؤ النُّخَب أن تشجع الناخبين على عدم إعادة انتخاب الزعيم السياسيّ الذي يخونهم، ويخون الوطن، بنكثه بوعوده في تحقيق المشاريع التي وعد الناخبين بها، وبتعامله غير الشريف، المُذِلّ، مع حكومات الخارج العدوّة للبنان، ضدّ كرامة وسعادة الشعب اللبناني، وأن ذلك يُعَدُّ خيانة عظمى، تستحق المحاكمة والسجن المؤبد وإعادة التأهيل الأخلاقي داخل السجن، إذا توخى الشعب الرحمة وإلغاء عقوبة الإعدام؟

هل يُعَدُّ تعامل السياسيين مع الخارج بهذا الشكل، سياسة ذكية من أجل “مصلحة الوطن العليا” كما يحبّ أن يتوهّم زعماء الطوائف وأن يوهموا الآخرين؟

وأخيرا، هل تجرؤ النُّخَب على القول للناس ولزعمائهم بأنهم كلهم خونة، لأن الخيانة تبدأ بالتعامل اليوميّ بينهم المبنيّ على روح الطمع والخداع والكذب والإحتيال والأنانية والباطنية والكبرياء والغرور وقلة المحبة؟ وبأن التستير على أخطاء الزعيم هو خيانة أيضا؟ وأن خيانة الوطن تبدأ بخيانة الذات حين يتنكر الإنسان لروح الحق والصدق والتواضع والمحبة والخدمة في داخل ذاته؟

خاتمة: وحدة النخب وواجب بناء المواطن الصالح

إن محاولة النُّخَب تعليم الناس أصول الديمقراطية والأخلاق وتوعيتهم على حقوقهم وواجباتهم، ينبغي أن تبدأ ولا ينبغي أن تتوقّف وتنتهي. لا أحد يستطيع أن يضمن النتائج. ثمة دائما من يرفض التأثر بتعاليم الخير، بعكس تعاليم الشر السهلة التعلّم والتطبيق، كون النفس البشرية، كما قيل عنها، أمّارة بالسوء. عملية التوعية والوعي وتغيير الذات نحو الأفضل، عملية بطيئة جدا بالنسبة لمعظم الناس، وللزعماء المتكبرين بنوع خاص. إذا كان صحيحا، بحسب القول المأثور، أن “العلم في الصغر كالنقش في الحجر”، فينبغي إذًا على النُّخب التركيز على تعليم الأطفال والشباب، باكرا جدا، على حبّ الوطن والإخلاص له، أي حبّ أبناء الوطن الشركاء في الوطن، وعدم خيانتهم من أجل حفنة من المال والعظمة والمجد، كما يفعل معظم زعماء الطوائف.

ولكن، من تُراه يقنع النُّخَب الصالحة أن تتواضع وتتوحّد قبل كل شيء، وتبدأ اليوم حملتها المقدّسة ضدّ الجهل والكبرياء والخيانة، وتلعب هذا الدور العظيم بقوة الإيمان الثابت والفرح المتجدّد في وطن ينتظر، على أحرّ من الجمر، أن يكون وطن الرسالة، رسالة الصدق والوفاء والخير والمحبة؟

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com